الكاتب: هيئة التحرير
المشرف العام
التسجيل : الأربعاء 10-05-2006
المشاركات : 14834
|
حرر في الثلاثاء 27-07-2010 06:18 صباحا - الزوار : 67
- ردود : 0
الشاعر علي الدميني و"أيام في القاهرة"
د. عبدالعزيز المقالح
يشغلني هذه الأيام، ومنذ وقت ليس بالقصير هاجس البحث في تجربة الشاعر الناثر. وعندما أهداني الصديق الشاعر الكبير علي الدميني كتابه الجديد (أيام في القاهرة) فكأنه تمكن دون أن يدري من أن يضعني مجدداً في صميم السياق المطروح الذي يسعى بي أو أسعى معه إلى قراءة مناخ المبدع الذي يتحرك في فضائين مغايرين، أحدهما الفضاء النثري حيث يستخدم الشاعر اللغة الأولى في بنيتها الواقعية التوصيليه، والآخر الفضاء الشعري حيث يكتب الشاعر قصائده باللغة الثانية تلك التي وصفها "رولان بارت" بأنها اللغة العميقة الواسعة والرمزية .
وليس من شك في أن الفارق كبير بين المستويين المغايرين في اللغة الواحدة، ولكنه –أي هذا الفارق- يضيق في كثير من الكتابات النثرية لعدد من الشعراء سيما حين تلامس الكتابة مناخات الحب والصداقة والطبيعة، أو يعبر عن شغف المبدع بالمكان وما يحيط به من شجون وذكريات. كما حدث مع المبدع علي الدميني في أيامه القاهرية وما تخللها من مفاجئات وجلسات وصداقات وندوات ذكرتني شخصياً بأيامي أو بالأحرى سنواتي في القاهرة بما تضطرب به هذه المدينة الكبيرة من تفاعلات ومستويات وشخوص من أهل المدينة ومن الوافدين إليها على حد تعبير للشاعر ورد في المحور الأول من الكتاب .
وكم يبهجني أن يعود الصديق على بعد غيابه الطويل إلى تقليب أوراقه القديمة (ليست قديمة جداً) ليستخلص منها للنشر هذه الحصيلة البديعة والمتنوعة من الكتابات النثرية وأن يضع لها عنواناً عاماً مفتوحاً هو (أيام في القاهرة) وعنوانين آخرين بين مزدوجات هما ".. وليال أخرى" ثم "سردية أدبية" والعناوين الثلاثة – من وجهة نظري- ضرورية وكل واحد منها يختص بجزء أو أكثر من محتويات الكتاب الذي يبدأ من القاهرة بأضوائها وناسها وزوارها وأنشطتها وجلساتها التي لا تشبع منها الروح قبل أن يخرج منها إلى دراساته النقدية التي يحتفي فيها بنماذج من الأعمال الروائية والشعرية ولا يتركها إلاَّ لكي يدلي بشهادتي عدل يفتح خلالهما نافذتين في غاية الأهمية، يطل من الأولى على تجربته الشعرية بادئاً فيها بحديث يشجيك عن القرى الجنوبية مهد الشعر والخيال، وحيث (تلبس السماء شفافية السحاب وخضرة الأشجار العالية). ويطل من النافذة الثانية على التجربة الشعرية في المملكة بما بشرت وتبشر به من تحولات متميزة، وفي تجلياتها الجديدة بخاصة.
ولعل القارئ ينتظر مني إشارة إلى العلاقة بين علي الدميني الشاعر وعلي الدميني الناثر، والحق أن مساحة واسعة ظلت تؤلف بين الأثنين تؤكدها أكثر هذه الاستهلالات التي تنهمر شعراً وتذكرني بلغته الجميلة في روايته اليتمية حتى الآن (الغيمة الرصاصية) إذ يبدأ هذا الكتاب بما يشبه المقدمة يتحدث فيها باقتضاب عن العنوان إلى أن يصل إلى القول: "من عمر طويل ألفتُ فيه غواية الكتابة وغواية النشر في الملحقات الأدبية، استبقيت القليل واهملت الكثير، وكانت أيام في القاهرة، تبتسم لي كلما تصفّحت "إرشيفي" فرأيت أن أبادلها وداً بود، وأن أطلق سراحها ، لتأخذ موقعها في أول الكلمات.. ولعل سر حميمية علاقتي بهذه الكتابة يكمن في أنها ولدت كتعبير وجداني خالص عن دهشة وطفولة الشاعر، الذي رأى الأصدقاء والكتب والندوات الثقافية في معرض القاهرة الدولي بعد غياب قسري دام أكثر من ثلاثة عشر عاماً".
يستحيل أن تخلو جملة نثرية يكتبها شاعر متمكن من ألق الشعر وارتعاشته الوجدانية ولعل (سردية أدبية) كان هو العنوان الأعم والأشمل لهذه النصوص التي ينتظمها تجانس الموضوعات المطروقة فتبدو شديدة الترابط غنية الدلالات رغم تباينات الخطاب وتفاوت أزمنة الكتابة حيث كتبها الشاعر في فترات متباعدة.
ولا يصح، بل لا يجوز أن تتوقف هذه الهوامش على متن كتاب الصديق علي الدميني من دون أن تعرج على ما كتبته الشاعرة المبدعة الدكتورة فوزية خالد، عن هذا الشاعر والكاتب والإنسان المترع بحب الحياة والمولع بشقاوة الطفولة. وسوف أستعين بسؤالها الطويل الذي لن يكون بحاجة إلى جواب لأنه مضمر في السؤال نفسه: "هل بين السطور نجد علي الدميني الكاتب والناقد الذي انهمر من غابات الباحة بأعلى جبال السروات إلى قاع المدن، من جدة إلى الظهران والخبر ليشارك في فتح نوافذ جديدة لهواء طلق يدخل البيئة الثقافية على الساحة المحلية ممزوجاً بالحلم العربي وبالأفق العالمي للعمل الإبداعي، فشارك في تأسيس وإصدار "المربد الثقافي" ومجلة "النص الجديد" ولم يكف يوماً عن حرث الصخر ليحفر عليه ريش
الفكر والشعر؟ ".
|