الكاتب: هيئة التحرير
المشرف العام
التسجيل : الأربعاء 10-05-2006
المشاركات : 14836
|
حرر في الإثنين 19-04-2010 12:23 صباحا - الزوار : 662
- ردود : 19
أمام مرآة "محمد العلي "
علي الدميني
" الحداثة " ومأزق التسميات (1)
الحلقة الثامنة
يحفل الجزء الثاني من الكتاب الذي أنجزته الأستاذة عزيزة فتح الله " محمد العلي – مفكراً وشاعراً" بشهادات عدد كبير من مثقفي وشعراء وكتاب المملكة، تكاد أن تتفق في غالبيتها على أن " محمد العلي" هو أحد أبرز رموز حداثتها الفكرية والشعرية".
وهو عندي كذلك،
ولكن كيف نحلل التناقض الصوري " ما بين تأكيدنا على رمزية "محمد العلي " كأحد رواد الحداثة في بلادنا ، وبين عدم اشتغاله على موضوعة "الحداثة " – كمفهوم وتجليات - بل وحتى عدم استخدامها كمصطلح في أغلب كتاباته ودراساته؟
مأزق التسميات ، سيكون مفتاحي لمقاربة هذه الإشكالية ، ذلك أن محمد العلي ، وبحسب المقومات التنويرية الأساسية لمفهوم الحداثة ، من حيث العقلانية ، والحرية ، والعدالة ، والمساواة، والإبداع المختلف ، هو حداثي وتنويري حتى العظم، وقد تجلت هذه القيم جمالياً وفكرياً في شعره ودراساته، وممارسته الحياتية( كما أوضحت ذلك الحلقات السابقة )، ولكنه آثر لأسباب عديدة، التحفظ على استخدام مصطلح " الحداثة "،
لماذا ؟
لأن مصطلح "الحداثة " و قيمها ومفاهيمها، قابلة لتعدد التعاريف و " التسميات"، حتى درجة التعارض، من حيث ، هل هي حاجة وفعل سيرورة تاريخية، تنزع إلى تجاوز أسر التقليد، بحثاً عن آفاق و وعود الجديد، الذي يستجيب لاشتياقات الإنسان ( فرداً أو مجتمعاً) في كافة المجالات؟ أم أنها نتاج مرحلة حضارية محددة تجلت في الحواضر الأوربية، مترافقة مع الثورة الصناعية ، وفتوحات البحث العلمي، وثورة التقنية، وحداثة الفكر وآليات ترسيخ قيم ثقافة الديمقراطية ومستلزماتها السياسية؟
وهل الحداثة وريثة قيم التنوير التي تركزت حول " العقلانية ، والعلم ، والمرجعية البشرية للمعرفة، وحقوق المواطنة"، أم أنها حداثة " الشكل " التي تجلت في الآداب والفنون بشكل أكثر بروزاً؟
وهل هي حداثة التطور الرأسمالي الباحث عن" الربح" فقط، أم أنها حداثة "الماركسية " التي سعت إلى تحقيق مفاعيل "العدالة الاجتماعية " ، مغفلة وجود الذات الفردية؟
وهل هي قطيعة مع "التراث " أم أنها رؤية نقدية له، وحوارية مع يتضمنه من بذور "حداثية "؟
تشابك الأسئلة:
هذه أسئلة متشابكة الحقول، ولا يمكن الإحاطة بمقاربتها في وقفة قصيرة كهذه، ولكنني سوف أتوقف أمام المحطات التالية المرتبطة باشتغالات محمد العلي:
* - كثير من الباحثين العرب ، ذهبوا لقراءة التراث العربي، وفق مسارات واستهدافات متعددة: منها البحث عن مرتكزات العقلانية في التراث، ومنابع تجليات الحداثة الشعرية والنقدية، ( ضمن ظروفها الزمنية المحددة)، باعتبار "الحداثة " فعل سيرورة .
ومنها ما ينصب على ضرورة تشغيل مفاعيل الحداثة المعاصرة على التراث بغية فتح مغاليقه على إمكانات قراءات جديدة تستجيب لتحديات و استحقاقات العصر.
ومنها بحسب د. برهان غليون "سعي الأطراف السياسية ( والفكرية ) المتنازعة على مصادر الشرعية ، إلى تأكيد اعتقادها أو نفي اعتقادات الأطراف الأخرى ، عبر التراث " ( قضايا فكرية ، الكتاب 29 –ص 121).
يقول محمد العلي في حواره مع مجلة النص الجديد : إن الحداثة ليست شيئاً سوى ( التطور ) و الارتقاء على الذات، و انتقاء الإيجابيات في التراث وتعميقها لإغناء الحاضر( العدد الأول 1993م).
أما حسين مروة في جهده الكبير في كتابه " النزعات المادية " ( الصادر عام 1978 ) فقد عمل على اكتشاف بذور العقلانية والمرجعية الواقعية للمعرفة في الفلسفة العربية والإسلامية لدى فقهاء المتكلمين ولدى الفلاسفة العرب من أمثال الكندي والفارابي، وابن خلدون وابن رشد، وغيرهم، من أجل تطوير أسئلتها في راهنية زماننا المعاش.
كما اشتغل " أدونيس في كتابه " الثابت والمتحول –صدمة الحداثة "، ( الصادر في 1978م أيضاً ) بتحديد مرتكزات الثابت المحافظ في ذلك التراث، مثلما وقف على عناصر " المتحول" النامية فيه, حيث يقول : [يمكن القول أن التعارض في المجتمع العربي، بين القديم والمحدث، يرقى على الصعيد السياسي- الاجتماعي ، إلى القرن السابع الميلادي ...ومبدأ "الحداثة " من هذه الناحية، هو الصراع بين النظام القائم على السلفية، والرغبة العاملة لتغيير هذا النظام. وقد تأسس هذا الصراع، في أثناء العهدين الأموي والعباسي، حيث نرى تيارين للحداثة : الأول ، سياسي – فكري ويتمثل من جهة في الحركات الثورية ضد النظام ( الخوارج، ثورة الزنج، القرامطة، ..الخ) ومن جهة ثانية ، في الاعتزال والعقلانية ..". أما التيار الثاني " ففني " ، يهدف إلى الارتباط بالحياة اليومية، كما عند أبي نواس، وإلى الخلق لا على مثال، كما عند أبي تمام. ... وهكذا تولدت الحداثة ، تاريخياً من التفاعل أو التصادم بين موقفين أو عقليتين .. ومن هنا وُصِفَ عدد من مؤسسي الحداثة الشعرية " بالخروج" ] ( صدمة الحداثة – ص 9،10، 11).
أما الدكتور محمد عابد الجابري ، أحد أبرز المشتغلين على التراث العربي، من منظور تاريخانية الحداثة ، فإنه يقول في كتابه " التراث والحداثة " ( الصادر عام 1991م) :[ ليست هناك حداثة مطلقة كلية وعالمية، وإنما هناك حداثات تختلف من وقت لآخر، ومن مكان لآخر. وبعبارة أخرى "الحداثة " ظاهرة تاريخية ، وهي ككل الظواهر التاريخية مشروطة بظروفها ، ومحددة بحدود زمنية ترسمها الصيرورة على خط التطور ... الحداثة رسالة ونزوع من أجل التحديث، تحديث الذهنية.. تحديث المعايير العقلية والوجدانية . وعندما تكون الثقافة السائدة ثقافة تراثية ، فإن خطاب الحداثة فيها يجب أن يتجه أولاً وقبل كل شيء إلى التراث بهدف إعادة قراءته وتقديم رؤية عصرية عنه ]( ص 16-17).
الحداثة سيرورة أم قطيعة ؟
*- الحداثة – بحسب هذه الآراء - سيرورة في التاريخ، كانت جنيناً حلمياً، يبحث عن تحقيق ذاته الشاملة، عبر طرائق وفضاءات مختلفة، ولم يستطع التعبير عنها بشكل فاعل ومستمر إلا بشكل فردي عبر تجلياته الفكرية والفلسفية والإبداعية ، ولم يتحول هذا التشوف إلى حالة عامة وفعل حضاري مختلف ومؤثر في حياة المجتمعات، إلا بعد قرون عديدة ، تجلت في أوروبا خلال القرون الثلاثة الماضية ، وكانت ثمرة للجهود والنضالات والتضحيات التي قدمها آباء النهضة، والتنوير، من أمثال " روسو، وفولتير، ومونتسيكو، وغيرهم"، حيث ارتكزت على قيم العقلانية ، والعلم، والمرجعية الإنسانية للمعرفة، والتفكير النقدي، وما تمخض عنها من عناوين أسست لحقوق المواطنة، وحقوق الإنسان، والحرية ، والعدالة، والديمقراطية، كحوامل قانونية ومؤسسية، لكل تلك العناوين، و جاءت الثورة الفرنسية، في عام 1789م، كأولى ثمارها ، حيث رفعت شعارات " الحرية والإخاء والمساواة".
* - ونظراً للطبيعة الفردية المنتجة للإبداع، فقد، حققت الحداثة في أوروبا، في حقول الآداب والفنون أكثر من سواها من الحقول، أوضح تجلياتها المبتكرة، وتمركزت حول "شكلانية " الدال بذاته " الذي يفرغ المحتوى من محتواه والمضمون من مضمونه، والدلالة من مدلولها ( د. منذر عياشي – مقدمة كتاب الحداثة 1 - ص 9 ) ، وبرزت قطيعتها مع الماضي، من خلال المدارس الفنية التشكيلية مثل " الدادية" و "السريالية"، وفي حقل الشعر في فرنسا، منذ إبداعات " بودلير " لقصيدة النثر .
* - بالرغم من مرتكزات كثيرة تضع "الماركسية " كإحدى تجليات الحداثة في أبعادها الإنسانية كالمساواة والعدالة الاجتماعية – ضداً على الرأسمالية - وفي مقوماتها الأخرى الفكرية والفلسفية، مثل العقلانية والعلمانية، والحرية، إلا أن الأنظمة السياسية التي قامت على أسس ماركسية منذ ثورة أكتوبر عام 1917م في روسيا، قد نظرت إلى حداثة الفنون والآداب، بشكل معاكس لمضمون الحرية الإبداعية ، وفي هذا الصدد يقول واحد من أبرز النقاد الماركسيين " لوكاتش " بأن " الحداثة الأدبية نوع من البرجوازية الجمالية المتأخرة النابعة من الواقعية " ( كتاب الحداثة 1– مالكوم برادي –ص 23).
* - وفي هذا الصدد ، ومن زاوية نظر أخرى ، يشير د. منذر عياشي في مقدمته لكتاب الحداثة، في فقرة عنونها ب " الحداثة والفوضى" إلى أن " حركة الفن بكل أشكالها التعبيرية ، أرادت أن تنخلع من الماضي إذن، ولكنها أرادت ذلك لكي تكون على غير مثال..بغية تطوير الحياة والسير بها ومعها نحو عوالم كانت غير معروفة...فأحدثت ثورة في الموسيقى والرسم والشعر والرواية، ولكنها إذ خرجت من الماضي وتعرّت منه، وجدت نفسها بما أحدثته تسير نحو " لا اتجاه" (ص 9).
* – جراء الارتكاسات الكثيرة في أزمنة التنوير و الحداثة ، من مسيرة الثورة الفرنسية عام 1789م، وما حدث في القرن العشرين من حربين عالميتين ، قامتا نتيجة لوصول أحزاب " شوفينية " ( باسم الحداثة السياسية) إلى سدة الحكم ، وما جرى كذلك من قمع لأدباء وفناني الحداثة في الدول الاشتراكية، فقد ذهب كثير من المفكرين والنقاد إلى مراجعة أخطاء الحداثة.
وفي هذا السياق تبرز جهود فكرية ونقدية عديدة ، تهدم ما أسمته ب "أوهام الحداثة " ومنها مواقف منظري مدرسة " فرانكفورت المعروفين " ، ومنظري تيار ما بعد الحداثة ومنهم فرنسوا ليوتار، الذي يصف الحداثة - بسخرية – بأنها قد أصبحت " إحدى الحكايات الكبرى " ، أي بمعنى أنه لم يعد من مفاهيمها المؤسسة لكل ما هو عقلاني ، وجديد ومتطور، و علمي .. أي وجود على الإطلاق .
ولكن "هابرماس " يقف منهم موقفا مغايراً، حيث يرى أن الحداثة لم تنته بعد، ولم تستنفذ إمكاناتها بعد، في أبعادها العقلانية والأخلاقية، ويمكن لها استئناف دورها كحركة تنوير كبرى، إذا ما تخلصت من تحالف العقلانية مع أداة القوة والعنف، التي جعلت الحداثة الغربية عقلانية " أداتية " سلطوية ، تنهض على حساب الإنسان والمجتمع والتقدم، من أجل الربح وحساباته المادية الواسعة (مازن لطيف علي – الحوار المتمدن – 9/1/2009م).
* – ويأتي من الطرف المغاير في حياتنا العربية ، موقف سدنة هوامش الماضي، والذين لا تعنيهم " وعود الحداثة السياسية والاجتماعية والثقافية"، بقدر ما يعنون برفض أي فكر معني بالسؤال النقدي، ومن ثم قذفه إلى جهنم أحكام التكفير الجاهزة، [بحيث لا يعود للحداثة معنى في لغة حققت إبداعها الأكمل الذي لا يمكن تجاوزه.. ولهذا تنتفي الحاجة إلى الفكر الآخر وإلى الابتداع الآخر معاً. وما يحتاج إليه المجتمع هو إذن ، بحسب هذه النظرة ، جعل الماضي حاضراً باستمرار]( أدونيس – الثابت والمتحول –ج1- ص 19).
** ** **
صراع السياسي والثقافي على احتياز "الحداثة"
على ضوء المداخل والقراءات المتعددة لمصطلح " الحداثة " و مرتكزاته المفاهيمية التي حققت وجودها بأشكال مختلفة في أوروبا خلال قرنين من الزمن ، كانت تصطخب العواصم الثقافة العربية ( القاهرة ، بيروت ، بغداد ، دمشق ) ومنذ مطلع القرن العشرين، بمواقف متباينة من الحداثة ، في كافة أبعادها السياسية والفكرية والإبداعية .
فمنذ خمسينيات القرن المنصرم، تم اختزال البعد السياسي والفكري "للحداثة "، فيما تطرحه الأحزاب العلنية والسرية ( القومية واليسارية و الدينية ) في الحكم الشمولي للحزب الواحد وشعاراته " الحرية ، والوحدة ، والاشتراكية " بالنسبة للطرف الأول، وما ترفع لواءه الأحزاب اليسارية من شعارات الانتصار للطبقة العاملة، وما تصفه الأحزاب الدينية ب " جاهلية القرن العشرين " وضرورة قيام دولة الخلافة الإسلامية .
وقد غاب عنها جميعاً( أحزاباً ومفكرين وأتباع ) مبدأ الإقرار بالديمقراطية والتعددية السياسية والفكرية والثقافية .
أما في ساحة الآداب والفنون في تلك العواصم، فقد انقسمت بين تيار النهج المحافظ وتيارات الالتزام الأدبي وفق رؤى السياسة المتحزبة، وبين تيار " الحداثة " الأدبية غير الملتزمة بنهج أيديولوجي محدد.
وقد تشكّل وفق خارطة هذه الصراعات ، تحالف غير معلن وغير مبرمج، بين تيارات المحافظة والالتزام ، للوقوف ضد تيار المدرسة الحداثية ، التي كانت بيروت مركزاً لها، عبر مجلة " شعر" ومجلة مواقف، ومجلة حوار ، و ما يطرحه منظروها من أطروحات نقدية وإبداع شعري، ومن أبرزهم " ادونيس " ، تمحورت حول مرتكزين أساسيين، هما :
الحداثة الإبداعية هي كتابة على غير سابق مثال.
الحداثة أفق للحرية الفردية، في انعتاقها من أثقال التراث التقليدي، والالتزام الفكري أو الاجتماعي، من أجل تحقيق " ذاتوية " الإنسان بمعزل عن إكراهات حواضنه التاريخية والمعاصرة على السواء.
( يتبع في الحلقة القادمة)
ثقافية جريدة الجزيرة 15/4/2010م
أمام مرآة "محمد العلي "
( الحلقة التاسعة )
علي الدميني
" الحداثة " ومأزق التسميات (2)
على ضوء هذه المخاضات العريضة، التي تعرض لها مفهوم الحداثة في حواضر الثقافة العربية، سنأتي إلى موضوعنا الأساس ، لنتساءل مرة أخرى: لماذا لم يشتغل "محمد العلي " في كتاباته ومحاضراته على مفهوم الحداثة وتجلياتها المتعددة رغم ولعه المعرفي بمقاربة المصطلحات والمفاهيم؟
" العلي " – كما أشرنا سابقاً – مثقف تنويري و حداثي ، في دراساته و شعره، وممارسته الحياتية، ولكنه آثر لأسباب عديدة، ومعه تيار التجديد و الحداثة الأدبية في المملكة منذ السبعينات وحتى منتصف الثمانينات ، التحفظ على استخدام مصطلح " الحداثة "، والعمل على تركيز الاهتمام على مضمون الشعار بدلاً من الاهتمام بفتنة "الشعار" ذاته!
لماذا ؟
هذه بعض الأسباب من وجهة نظر قراءتي :
• عملت مكونات البنية المحافظة في المملكة، لعقود طويلة على نشر شباكها الفولاذية لممانعة عمليات التطوير والتحديث في كافة المجالات، متمترسة خلف تحسسات اجتماعية مغلفة بثوب الدين والخصوصية، وقد ترافق ذلك مع عزلة جغرافية و مؤسسساتية حالت دون تواصل ساحتنا الثقافية مع الخارج، ولذا كانت أعتى المعارك في الساحة الأدبية تنطلق من معاداتها للتجديد، ومن ضمن ذلك قصيدة التفعيلة، باعتبارها ، خروجاً على ما استقر في ذائقتها من مواضعات جمالية قارة ترقى إلى مجال الكمال الدائم.
• جرى تركيز تيار الحداثة الأدبية في بعض محاضنه العربية المؤثرة ( تأثراً بالتجربة الحداثية في الغرب ) ، على تسويقها كتجربة جمالية وفكرية جديدة تعبر عن قطيعة مع التراث العربي، ومع مرتكزات التنوير في سياق التجربة ذاتها في أوروبا، و تبدّت كنزوع جارف لتحرير الذات من سطوة أو ضرورات الانهمام بمشاغل الجماعة وحاجاتها. كما أن هذا التيار الحداثي لم يقدم بديله الفكري و الإبداعي المقنع للتعبير عن تلك الضرورات أو الحاجات، و تبدى آنذاك وكأنه فعل ثقافي يضرب في بيداء ضباب لا أفق له. ويوازي ذلك الجهد الإبداعي في الشعر، جهود فكرية أخرى كانت تستخدم آليات السؤال والهدم دون إيجاد البديل، ومن أبرز ممثليها، كان المفكر السعودي " عبد الهذ القصيمي ".
لذلك كان موقف التيارات الأدبية الأخرى الحديثة (ذات الجذور الواقعية ) والمهمومة بالالتزام بقضايا الوطن والأمة والإنسان، لا يطمئن كثيراً إلى ذلك التوجه الأدبي والفكري، و شعاره "كحداثة "، ومنهم هنا "محمد العلي"!
الحداثة والقطيعة :
استثارت " القطيعة " مع التراث ومتلازماتها ، مشاعر "محمد العلي" في أبعادها المختلفة، من حيث ، أن التراث العربي مادته الخام التي يعمل عليها في جلّ كتاباته، ومن حيث أن شعارات الحداثة الأدبية في تلك المرحلة، كانت أفقاً يسعى إلى وأد "المعنى " وإنتاج نص لا يعنى إلا بذات منتجه، وإغفال موقعه ودوره في بنية "نص المجتمع " و مآلات تطوره.
لذلك كان موقف "محمد العلي " من " أدونيس " كرمز لهذا التوجه، حاضراً في كتاباته وحواراته اليومية كما في محيطه الثقافي، وقد أفرد له جزءاً من محاضرته المعنونة ب " الموقف من التراث"، حيث حاور العديد من مقولات أدونيس ، ومنها : " لا يصح النظر إلى التراث إلا في منظور الصراعات الثقافية والاجتماعية التي شكّلت التاريخ العربي "، ليرد عليه بالقول : [ هذه الفقرة ..وصفها الأستاذ نصر حامد أبو زيد .بأنها نظرة ديناميكية للتراث ، وأنا أعتقد أنها نظرة تجزيئية قاصرة ، لأنها حاولت سحب مقاييس الحاضر على الماضي أولاً، وهو نفس موقف إسقاط الماضي على الحاضر. وثانياً ، لأنها جعلت " الثابت والمتحول " ظاهرتين منفصلتين عن بعضهما ]( محمد العلي شاعراً ومفكراً – ص 299).
ويكمل هذا الموقف المعارض ل " أدونيس " بقوله :" إن أخطر وأهم ما في مقولات أدونيس هو الدعوة إلى هدم التراث بصورة مطلقة ، وقد وقع في تناقضات هائلة لتبرير ذلك، لأنه دعا إلى شيء لا يمكن هدمه هكذا.. وبشكل مطلق ( المصدر السابق ).
ولعل من يقرأ محاضرة "العلي " تلك ، بتمعن ثقافي ، سيرى أن اشتغالات " أدونيس " الفكرية على التراث، لا تتعارض جوهرياً مع تحليلات واستهدافات " العلي " ، لا سيما أن كليهما يحتفيان بالجزء الحي والفاعل من"التراث " وينتقدان الجزء المعيق لتطورنا، وقد تجلى ذلك في كثير من أعمال " أدونيس " من مثل ، مختاراته من الشعر العربي، وكتابه عن الحداثة الشعرية العربية، وكتابه عن " الثابت والمتحول " في أجزائه الأربعة . ولكن " العلي " هنا سيبدو وقد تمترس مع ذاته وقناعاته المتعددة ضد شعاري " القطيعة المطلقة " مع التراث، وضد "موت المعنى " الذى خطته الحداثة الشعرية في تجربة قصيدة التفعيلة، وفي تجارب قصيدة " النثر" القليلة في مراحلها المبكرة، ولعل ذلك أيضاً يفسّر لنا تحفظاته على تجربة شعراء قصيدة "النثر " في المملكة ، رغم أنه قد جرّب كتابتها منذ عام 1967م وحتى اليوم!
* وبالرغم من ذلك التحرز أو التحفظ في استخدام مصطلح "الحداثة" في كتاباته الفكرية والنقدية، إلا أنه كان يضطر تحت إلحاح الوسائط الإعلامية إلى التعبير عن وجهات نظر مقتضبة في إجاباته على تلك الأسئلة حول "الحداثة"، ونقف هنا على بعض تلك الإجابات:
أ – يقول في رد مقتضب( يعبر عن حالة انفعالية ) على سؤال طرحه عليه محررو مجلة "النص الجديد – عام 1993م " حول مفهومه للحداثة: [ الحداثة – كما أفهمها – مصطلح عربي تليد قبل أن يكون مصطلحاً غربياً. الغرب ابتكر أسلوب حداثته وفق مقاييسه ومسار تطوره وحدودها. ولكننا نحن ورثنا مقاييسها، وأدخلنا عليها مفهوماً غريباً ، أحالها إلى شبح مخيف بالنسبة للغالبية من مثقفينا وقراءنا.
هذا المفهوم هو أن كل حداثة تبدأ من " القطيعة " مع التراث.
هذا المفهوم خاطئ ومظلّل .
إن الحداثة ليست شيئاً سوى ( التطور ) و الارتقاء على الذات، و انتقاء الإيجابيات في التراث وتعميقها لإغناء الحاضر].
ب- ولكنه قبل ذلك ، قد توسع في تفاصيل موقفه من الحداثة عبر حواره مع "ثقافة اليوم " في جريدة الرياض عام1990م ، حين طرحت عليه السؤال التالي: كيف يتعامل محمد العلي كشاعر مع جدلية العلاقة بين الحداثة وبين التراث ، لاستشراف حوار فاعل ومضيء؟
وسنختصر إجابته في النقاط التالية:
السؤال واسع وعميق وملح أيضاً.. ملحّ لأننا لم نفرغ حتى الآن من تعريف التراث ومن تعريف الحداثة.. ولم نصل .. . وعدم الوصول إلى ذلك بصورة دقيقة ، مشكلة من أهم المشاكل التي يواجهها النقاد والمبدعون، وحتى الأشخاص العاديون على مستوى التلقي..
لم نصل إلى ذلك التعريف المحدد، وهذا بقدر ما هو إيجابي هو سلبي أيضاً..فإيجابيته تكمن في أن الوصول إلى تعريف محدد ..هو تجميد أو تعقيد لهذا التراث ، ولهذه الحداثة...و باعتبار أن الحياة متجددة، ولا بد أن يكون التعامل متجدداً معها، وبالتالي فالتعريف لا يمكن أن يكون ثابتاً..
..أما جانبها السلبي فيكمن في أن عدم الوصول إلى التعريف يخلق " هذه الاختلافات التي نراها في الساحة الأدبية والفكرية لدينا، والتي تصل في بعض الأحيان إلى حد التناحر الفكري.."
التراث يمثلنا وجدانياً، ولكننا نختلف في قراءته.. إذن هو متعدد (يعني القراءات)، وما لم نؤمن بهذه المقولة فلن نصل إلى تحديد مقنع أو مفيد للتراث..
وماذا عن الحداثة الشعرية؟
الحداثة ليست واحدة على الإطلاق، فحداثة السياب غير حداثة محمد الثبيتي ، وحداثة الثبيتي غير حداثة غازي القصيبي، وحداثة غازي القصيبي تختلف عن حداثة علي الدميني .
أيضاً حداثة عبد الله الغذامي غير حداثة السريحي، في حين أن القارئ يعتقد أنهما من فصيلة واحدة، وحداثة سعد البازعي تختلف اختلافاً جذرياً عن أيٍ ممن في الجامعة من زملائه..
هناك سياق يظلل كل هؤلاء ويندرجون تحته مع غيرهم.. ولكن لكلٍ خصوصيته ولكلٍ رؤيته .. هو بالذات.
الذي لا يملك رؤية لا يملك حداثة.. ونحن إذا جردنا الإنسان من الحداثة ، جردناه من الرؤية ومن الخصوصية...
إذن هؤلاء ، كل منهم يملك خصوصيته وحداثته أيضاً.. فالحداثة ليس لها تعريف محدد ولكنها سياق..معنى هذا السياق أو جوهره: التجاوب مع إيقاع الحياة والتجدد مع إيقاع التجاوز إلى الأفضل.. وهذا السياق الذي هو سياق الحداثة تندرج فيه آلاف الخصوصيات التي يحملها كل فرد من شعرائنا وأدبائنا ..
ج – أما موقفه الأكثر وضوحاً حيال الحداثة الأدبية والثقافية في المملكة، فقد عبر عنه، في حواره مع محطة "( LBC)، حين أشار إلى أن الحداثيين قد بقوا في الساحة الثقافية ، رغم ما تعرضوا له واحتملوه من محاولات الإقصاء والتشويه والتكفير، مستخدماً ضمير "نا " الجماعة التي تجعل منه عضواً منضوياً تحت شعار الحداثة في المملكة بقوله :" لقد بقينا نحن ..أما عوض القرني ، صاحب كتاب " الحداثة في ميزان الإسلام " فقد مات !"
لكل ذلك ..
ووفق هذه الرؤية الجدلية والتعددية لمفهوم " ا لحداثة" ، يتجاوز "محمد العلي " موقعه المغالي في نقد "الحداثة الأدبية " ( التي كان يرى أنها مضت إلى القطيعة مع التراث، و قتل المعنى في النص والتاريخ) ، مثلما يتخطى تحفظاته الاحترازية في التعبير عن انتمائه المحدد إليها.
كيف حدث هذا ؟
عوامل كثيرة تضافرت لتغيير موقفه، و منها:
منذ سنوات أواخر القرن الماضي( القرن العشرين ) وحتى اليوم ، شهدت حواضن الثقافة العربية، وبلادنا أيضاً، تحولات تدريجية ونوعية ، أخرجت الحداثة في أبعادها السياسية من احتكار " الأيديولوجي الحزبي أو الحكومي" لها ، لتغدو إمكانية - وإن كانت هامشية – لمشاركة مختلف مكونات المجتمع المدني في التعبير عن رؤاها ومطالبها بالإصلاحات الديمقراطية والاجتماعية والثقافية، وغدت معها حرية التعبير والتفكير والإبداع، جذراً أساسياً لتحقيق استقلالية "الفرد" كأساس ضروري لعملية التطوير والإصلاح السياسي الشامل..
وهنا يمكننا أن نراقب – في ساحتنا المحلية - كيف أصبحت مفردة " الحداثة " جزءاً من نسيج قاموس المصطلحات المتداولة - محلياً – جراء ما نشب حولها من صراعات، خلقت واقعاً اضطر لاستخدامها "للتوصيف أو التصنيف "، بغض النظر عن الموقف منها!
كما يمكننا أن نلحظ كيف خرجت أزمة التسميات بالنسبة لمصطلح الحداثة من مأزقها كدلالة على الإبداع الأدبي والفني وحسب، إلى مجال اشتغالها العام في مختلف الميادين، وأمكن بعد ذلك أن تطرح كشعار أو دلالة على حزمة من العناوين الدالة عليها كإطار لحركة تنوير وتحديث وحداثة شاملة في كافة أبعادها، السياسية والفكرية، والاقتصادية والاجتماعية والإبداعية.
وفي هذا الأفق المتغير، تمت زحزحة " التسمية " محلياً من مرجعية المصطلح في دلالاته وأزمنته المتعددة، إلى أن تكون "علامة " منفتحة تضم تحت شعار " الحداثة " أشواق الأفراد والمجتمعات للتجاوب مع إيقاع الحياة والتجدد مع ضرورات التجاوز نحو الأفضل ، بحسب توصيف "محمد العلي " السابق لها.
ولذلك نتمنى أن نقرأ له دراسة معمقة لرؤيته لمصطلح " الحداثة " ومفاهيمها، عبر مسيرته الطويلة وإطلالاته اليوم على مآلاتها، من أجل أن تغتني ملامح مشروعه الثقافي في وجدان القراء وذاكرة الحياة الفكرية والإبداعية في بلادنا .
|