بيان الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان حول قرار وزيرة التنمية بتجميد إدارتها    ||   علي ال غراش - طالبان والقاعدة دعم لإسرائيل وقتل للمسلمين    ||   عبد الرحمن اللهبي - معايدة    ||   مواطنون وحقوقيون يناشدون " أبو متعب" لإطلاق سراح مخلف الشمري    ||   حسين العيلي - عمد الأحياء والعيد    ||   عبدالله حسن العبدالباقي - الله جميل يحب الجمال    ||   حسن السبع - غازي القصيبي.. والرشاقة السهلة الممتنعة    ||   البدء بإنشاء مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي بالظهران    ||   إلى ساكني الشقق في العماير السكنية التي فيها شقق أكثر من 6 أو فيها محلات تجاريه    ||   علي ال غراش - كريمو.. الخطر والفضيحة والعنصرية!    ||   
أدخل الأسم و كلمة السر : ارسال البيانات

منبر الحوار و الإبداع » المنتديات » منبر الإبداع » قراءات نقدية ومتابعات


المشاركة السابقة : المشاركة التالية
» علي الدميني - "آمام مرآة محمد العلي " ( حلقات متتابعة )
الكاتب: هيئة التحرير
المشرف العام

التسجيل : الأربعاء 10-05-2006
المشاركات : 14836
مراسلة الموقع الشخصي
 حرر في الخميس 25-02-2010 05:38 صباحا - الزوار : 662 - ردود : 19
آمام مرآة "محمد العلي "

علي الدميني


لعبة الزمن ..لعبة الصدفة !! ( 1/2)

مفتتح :

كان يهيأ لي دائما ً، وبحكم علاقتي الشخصية الحميمة  مع " محمد العلي " ومتابعتي لجل ما يكتبه ، أو ينشر من حوارات ثقافية  معه في العديد من المنابر الصحفية والإعلامية  الأخرى ، أنه بمقدوري أن أكتب عنه ما أشاء، وأنّى اردت ذلك ... ولكنني وأنا أقرأ وأعيد قراءة ما بين يدي ّ مما تم تجميعه وإصداره في كتب من مختارات " مقالاته، ومحاضراته ، وحواراته،  وقصائده" ، قد وجدت نفسي في مأزق  صعب، كان عليّ أن أتقبل مفاجأتي به أولاً !
لماذا ؟
لأن النص الذي كنت أستمتع به مغلفا برائحة  الذاكرة يختلف عن النص الذي أقرأه وأحاوره بين يدي ّ، في  مجلدات عديدة.

أرأيت كيف يكتب الشاعر المتفرد نصه، محتشدا ً بالحالة الوجدانية ، ومفعما ً بعذوبة التعبير ومجازاته، ودلالاته التي لا تستطيع الإمساك بها بمجرد القراءة الأولى ، والتي تبث ّ عدواها في مخيلتك ووجدانك لاستعادة التماس معها ثانية وثالثة؟
ذلك ما تتقراه في كل نتاج " محمد العلي " وكأنك تراه أمامك ، يحاورك شفاهياً، ولكن بأسلوب تحليلي وفلسفي عميق ومتماسك، فيدهشك بهذه القدرة على محبة الكتابة، وامتلاك مقوماتها المعرفية والفنية ،  حين يمضي كنهر يفيض بحوار المفاهيم ( التراثية والمعاصرة  من أقوال ورؤى الآخرين) ، فيغرس حقلا ً من شبكة  تعالقات المعرفة، بأسئلة الجدل ، والنقض ، وجمالية التعبير التي تنشر في قلب قارئها عدوى "لذة النص "،  بما يحملك على مراجعة قناعاتك وتكوين  رؤية أخرى ، حتى وإن اختلفت معه عليها.
تلك إحدى سمات كتابة "محمد العلي " لمقالاته وتأملاته ومحاضراته ، حتى أشدها اقتراباً من حصون الأكاديمية، مثل محاضراته : " المثقف و الأيديولوجيا" ،  و " الفرق بين الرؤية والموقف" و  " نمو المفاهيم " ، على سبيل التمثيل فقط.

لقد كتبت عن كثيرين ..شخصيات ومنجزات كتابية، ولكنني لم أكتب مرة واحدة عن " محمد العلي" ..إلا في إشارات و الماعات خاطفة..
كان تهيباً معرفياً ، وتواضعاً صادقاً ، واحتشاداً داخلياً بالكثير الذي لا تفيه المقالة أو الدراسة حقه عن هذا الرمز الكبير...
" القرب حجاب " ، كما قال أحد أسلافنا، 
وذلك هو حجابي عن " العلي "  أو حجابه عني!!

****
فصل من ذكريات مشتركة:

أشياء كثيرة تصنع حياة الإنسان ..
بيئته الاجتماعية و الثقافية تحتل مركزيتها الأولى..  مكوناته النفسية وملكاته الفردية تأخذ موقعها في تلك المساحات  ..
وفي ظروف مجتمع يعيش مسار التحول الدائم مثل مجتمعنا، تأتي الصدف لتلعب دورها  الحاسم في تحديد القناعات ومسارات الاختيار،  ومنها صدفة  لقائي بالأستاذ " محمد العلي".

ربما كان الزمن قريبا إلى  منتصف عام 1970م، حين استوقفتني زاوية "أمام المرآة " التي كان يكتبها في جريدة اليوم، فشدتني بشكل لا أصفه إلا بانخطاف الروح تجاه ما يؤججها أو يملأ مخيالها بما لم تكن قد فكرت فيه أو حلمت به!! وكان عصر كل يوم خميس حفلة خاصة استمتع فيها بقراءة تلك المرآة.

لم أكن أعرف أن " العلي "شاعر ضخم ، لأنه  لم ينشر في زاويته نصوصاً من شعره، بل أنه أوغل في إيهامي، أنا القارئ الذي لم أكن قد تعرفت عليه  بعد، بأنه لا يمتلك موهبة كتابة القصيدة. وفي تلك الزاوية التي لا أنسى وقعها عليّ،  تمنى لو أنه كان شاعراً ليكتب عن حالات شديدة الحرقة والعذاب، مهيباً بالشعراء لتمثلها في قصائدهم.. ومنها: ماذا سيكتب شاعر عن عيني امرأة خطفته من صمته على البحر؟
قلت لنفسي : أنا لها ..فكتبت نصاً خلته كافيا للتعبير عن تلك الحالة.. وقررت إرساله إليه، ولكنني حين أعدت قراءته بعد يومين تلعثمت أمام  فقر اللغة، وافتقاد النص إلى صدق التجربة وجمالية التعبير، فمزقته ، وشتمت محمد العلي  في سرّي!!

في أواخر ذلك العام ، كنت قد بدأت نشر قصائدي في مجلة اليمامة ، وكان أحد زملائي الحميمين في الدراسة ( "محمد الحسن " ، الذي أصبح أستاذا للعلوم الإدارية في جامعة البترول ، فيما بعد) قد عمل كمذيع متعاون مع محطة تلفزيون الدمام، وفاجأني بأنه يعرف " محمد العلي" ويقابله هناك، حيث كان العلي يعمل أيضاً متعاوناً مع المحطة  لمراجعة وتصحيح "نشرة الأخبار " من الناحية اللغوية!!
طربت للخبر، وحسدت صديقي على متعة الالتقاء بشاعرنا، وطلبت منه أن يطلعه  على بعض قصائدي، ولكن العلي لم يعلق على أيٍ منها!
و حين نشرت قصيدة بعنوان " تسوّرت خارطة الليل" ، عام 71م في مجلة " البيان " الكويتية ، حملها صديقي إليه، فجاءتني أولى  ردود الفعل الإيجابية ، حين نطق الجبل وقال : " إن صاحبك يمتلك موهبة شعرية "!

ضلت العلاقة بيني وبين "محمد العلي " مفتوحة للاحتمالات، غير أن حوار المذيع " عبد الرحمن الغامدي " معه في تلفزيون الدمام في أوائل عام 72م، قد أشعل تشوفي للالتقاء به، فقد أسرتني شخصيته وجرأته وعمقه حين تحدث  عن انتقاله شعرياً إلى قصيدة التفعيلة، وعبر عن ذلك بقوله : أن  القصيدة العمودية شجرة ضخمة تم دفنها في الأرض فأنبتت أغصاناً جديدة  نسميها " قصيدة التفعيلة "، وأنا قد حسمت خياري بانتسابي إلى تلك الأغصان الخضراء !

كانت تجربة قصيدة " التفعيلة " تمثل بالنسبة لي آنذاك مرموز التغيير والتطور والتقدم الثقافي، مثل ما تمثله لي اليوم أولويات حرية التعبير، وجمعيات المجتمع المدني، وحقوق الإنسان، لذلك فقد ألححت  على صديقي برغبتي الحارة في الالتقاء  ب " محمد العلي" .

الأب الثقافي :

لم يطل انتظاري لذلك اللقاء الحلمي الموعود، حتى  رأيت "العلي " يأتي لزيارة قريبه وزميلي في الدراسة أيضاً ( الشاعر هاشم الشخص) في نفس البيت الذي أسكنه في كلية البترول !!
كانت لحظة فارقة في حياتي ، دشّنت لعلاقة تاريخية جميلة وعميقة ربطتني بهذا "الأب " الثقافي الجديد، و فتحت أمامي آفاقاً معرفية وإنسانية تجاوزت في مفاعيل تأثيرها كل ما عرفته من علاقات عائلية أو  إنسانية أو اجتماعية أو ثقافية سابقة، فأسهم لقائي به في إنضاج سلسلة الصدف التاريخية الطويلة في حياتي، لتأخذ أبعادها الأخرى ومواقفها  الأكثر وضوحاً وجذرية في مسيرتي ، منذ تلك الليلة وحتى اليوم!

ولعل النص التالي يعبر عن ذلك المعنى المختزن والمختزل لتلك العلاقة ،  وقد وضعته في ديواني الأخير بعنوان " ملاك الصدف ":

"
يا ملاك الصدف
كيف لم نختلف
أنت عرّيتني من صباي
وهيأتني للمسرّات في كل هذي الغرفْ
و أنا كنت رمحك في الصيدِ
لكنني
دائماً
لا أصيب الهدفْ!! "

***********

أقفال كبيرة، ومفاتيح صغيرة!

يمكن لكل من اقترب من فضاء "محمد العلي"  أن يلمس باليدين  صعوبة التواصل اليومي معه، وأن يقرأ على الباب سيماء أقفال متعددة تحد من بساطة التحاور معه، أو اقتحام معاقله!
كثيراً ما ترى " العلي " وهو يستغرق في الصمت والتأمل .. بين الأصدقاء أو حتى في ندوة أو لقاء عام... في مكاتب الجريدة، أو في السفر بالسيارة، ونحن نتنقل من مكان قصي إلى آخر!!
ذلك سرّه الكبير الذي لا يستطيع التعامل معه إلا الراسخون في معرفته الثقافية والإنسانية ، والوجدانية.
ولكن أي منا سيجد أمامه  سلّةً مملوءة بمفاتيح  التسلل إلى أعماق تلك الروح الخصبة، حين يكون " العلي "  ضيفاً في أمسية أو ندوة ، فتعمل مفاتيح الأسئلة على كشف مذخور كنوزه وأسراره وصدقه حتى حواف  الجارح والجريء  منها!!

أما خارج ذلك المناخ الثقافي ، فإن أبرز  ما يحرضه على فتح أبوابه ،يأتي من قدرة الصديق أو الضيف أو أي شخص على إثارة مكامن الدهشة الطفلية  أو الشعرية لديه، من خلال الحديث عن مفارقة باعثة على الدهشة، أو استذكار مقطع من نص شعري لافت، وحينها ستجده قد انفجر ضاحكاً، كبركان محبوس من براكين اليابان!!

كنا نلتقي في غرفة مدير تحرير جريدة اليوم منذ عام 72م وما بعدها، وكان صمت "العلي " المهيب يجعلنا نلوذ بالصمت حتى لكأن سقف الغرفة سيطبق علينا، ولكن حين يدخل العم سالم الحضرمي – حارس الجريدة – فإنه يخترق ذلك الصمت بكلماته العفوية والساخرة  الموجهة إلى شاعرنا، فيفتح الله على يديه ما يهزّ الغرفة من ضحكات " العلي " المجلجلة!!
كان العم سالم يمتلك مفاتيح صناديق الصمت، أما أنا فقد عجزت عن امتلاكها مذ تعرفت على " محمد العلي "  وحتى اليوم، برغم ما أحمله  من تقدير وحب وإعجاب لم  يوجد بعدُ  في أعماقي منافس له !!

دعوته ومجموعة من الأصدقاء للعشاء في بيتي،  وكان عمر إبني " عادل" آنذاك لم يتجاوز الثالثة من العمر، وقد اعتاد إبني على ما يلقاه من  ملاطفة واهتمام من محمد العلي خلال زياراته المتعددة لنا. ولكن شاعرنا في تلك الليلة  لم يكن مهيئا للاهتمام بالطفل الذي ألف مداعباته، ولا بالأصدقاء الملتفين حوله.
وحين تساءل أحد الأصدقاء بصوت عال: " وش في أبو عادل الليلة  ما يتكلم "، رد عليه إبني الصغير قائلاً " كنه مقفّل للصلاة"!!
وهنا انفجر محمد العلي ضاحكاً ، واحتضن عادل بحميمية ، و بدأ في إشعال الليلة حتى نهايتها..

ومن مفاتيحه، أن تبادره بانتقاد كتابته أو شعره ، فيبدأ الحوار معك لا مدافعاً ولكن متسائلاً عن مكامن سؤالك!، أما إذا بادرته بإطراء، فلن تجد إلا صدى ما كان يردده في إحدى قصائده  عن البحر" وساجٍ أنت  كالأكفان"!!

ومنها أيضاً ، أن تطرح عليه سؤالا ثقافياً محدداً بعيداً عن مهام العمل السياسي اليومي، لتفتح مغاليقه، شريطة ألا تقاطعه وهو يتحدث بهدوء عميق ..عميق..
وعليك إن استضفته في عشاء خاص ألا تثقل عليه بعدد الحاضرين  متنوعي المشارب، وأن تحرص على استضافة  القلة ممن يرتاح إليهم أو يثق في وعيهم وثقافتهم.

ولكنك حين تزوره لتعرض عليه مشروعاً ثقافياً، أو أمراً يرتبط بالشأن العام، فإنك ستجد أذناً صاغية ما عهدتها من قبل، وستتلقى إجابة دقيقة وعليمة وعملية تغنيك عن استشارة الكثيرين، كما أنها ستعينك على اتخاذ الموقف الصائب، من رجل لا يهتم غالبا بالعمل السياسي اليومي !!




الكاتب: هيئة التحرير
المشرف العام

التسجيل : الأربعاء 10-05-2006
المشاركات : 14836
مراسلة الموقع الشخصي
حرر في الجمعة 05-03-2010 12:29 صباحا - الزوار : 662 - ردود : 19
أما م مرآة "محمد العلي "


علي الدميني
لعبة الزمن ..لعبة الصدفة ( 2/2)


محمد العجيان في جريدة اليوم :


• مضت بنا الأيام في جريدة اليوم، وساءنا  كمحررين ومتعاونين في الجريدة،  تعيين الأستاذ " محمد العجيان " رئساً لتحريرها في أواخر عام 76م،  ولكن "العلي" الذي كان مرشحا لهذا المنصب،  طمأننا بأن هذا الصحفي المحترف قادر على تطوير الجريدة ووضعها في موقعها المناسب، أفضل منا جميعاً!
وذلك ما حدث بالفعل.
• تحمّس الأستاذ " العجيان "  لمشروع ٍ كنا نحلم به، كأدباء، وكان يتبناه الأستاذ "العلي"  و الشاعر عبد الكريم  حسين ، مدير الإدارة، لإصدار مجلة أدبية بعنوان " أصوات" ، فحوّله من مجرد فكرة إلى برنامج عمل قابل  للبحث والتخطيط والتنفيذ . واقترح الأستاذ  العجيان علينا زيارة عدد من  أصحاب المشاريع الثقافية والأدبية المماثلة في المملكة ودول الخليج، فذهبنا لزيارة  مجلة الدوحة في قطر للتعرف على تجربتها، ثم إلى البحرين للتعرف على تجربة مجلة " كتابات76" التي أنشأها الشاعر " على خليفة "، وسافرنا بعدها إلى الكويت للتعرف على تجربة رابطة الأدباء في إصدار مجلتها " البيان".
و إلى الرياض ذهبنا لمقابلة الأستاذ علوي الصافي رئيس تحرير مجلة "الفيصل"، ثم التقينا بعدد  من الأدباء وأساتذة النقد الأدبي في ثلوثية الأستاذ " عبد العزيز الرفاعي" ودعوناهم للكتابة لمجلة " أصوات"،  ووافق الأستاذ محمد رضا نصر الله و الشاعر عبد الكريم العودة لأن يكونا عضوين في هيئة تحرير المجلة، كما سافرنا إلى جدة والتقينا بالعديد من المثقفين والأدباء لدعوتهم للكتابة للمجلة ومن أبرزهم الدكتور عبد الله مناع، والأستاذ الراحل عبد الله سعيد الغامدي، واتفقنا مع القاص والكاتب  فهد الخليوي و القاص عبد الله بامحرز ليكونا عضوين  في هيئة التحرير، ونسقنا  معهما على إجراء حوار ثقافي مع الأستاذ الرائد " محمد حسن عواد" ليكون أول ضيف ثقافي للمجلة في عددها الأول!!
ثم سافرت بعدها في عام 77م إلى بغداد و دمشق والقاهرة،لإجراء حوارات أدبية مع عدد من الأدباء  والشعراء والنقاد لنشرها في المجلة.

• كان الإعداد لإصدار العدد الأول من مجلة " أصوات" يجري بشكل متفائل، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، حين تمت إقالة مدير الإدارة الشاعر " عبد الكريم حسين" وتم تعيين  مدير جديد، لا تشغله إلا مسألة الربح والخسارة المحددة، ، فقرر قتل المشروع بالضربة القاضية في أواخر  عام77م!!
وقد فوجئنا بتقبّل محمد العلي بروح رياضية عالية لهذا القرار- وهذه من صفات العقلانية والموضوعية التي يتمتع بها أستاذنا العلي إزاء كل  المواقف المشابهة - أما نحن المتحمسين لذلك الحلم فقد أصبنا بخيبة أمل كبيرة، لم يحفّف من وقعها علينا إلا اهتمام الأستاذ العجيان  بالملحق الثقافي " المربد"  الصادر عن الجريدة، وقمنا بعد ذلك  بنشر أغلب المواد  والحوارات التي أعددناها للوليد المنتظر في هذا الملحق!!

مضى الزمن وفق مقتضاه، وقبيل استقالة  الأستاذ العجيان من رئاسة تحرير الجريدة،  أبلغنا بأنه رشح الأستاذ العلي لرئاسة تحرير الجريدة ، فوقفنا أمام المهام الجسام، وأمام التحديات التي لا ينبغي التنازل أمامها، ولعل ذلك حدث في حوالي منتصف عام 78م.

اختلاف  الأصدقاء:

لم تحدث بيني  وبين أستاذي العلي  خصومة قط، ولكن كان بيننا في بعض الأحيان القليلة ما يشبه اختلاف الآباء مع الأبناء، ومن تلك المواقف القليلة أسجّل ما يلي:

أ – ظل مخيال  مشروع مجلة " أصوات"  يغرينا بالتفكير فيه، لذا وافق  محمد العلي كرئيس للتحرير،  وبدعم من مخرج الجريدة " حميد غريافي" على إصدار الملحق الثقافي لجريدة اليوم " المربد " كملحق منفصل وبحجم صغير يشابه حجم هذا الملحق المتألق( ثقافية الجزيرة ) .

وكان المخرج مهنياً بارعاً، ويمتلك حساً صحفياً متميزاً، ويكنّ لبلادنا كل التقدير والاحترام. وكانت له بعض المواهب الشعرية العادية، فعرض عليّ نشر قصيدته المعنونة ب " مزقيه" ( يقصد غطاء وجه المرأة )  في أول عدد من "المربد" المنفصل عن الجريدة، وقد راجعت النصّ وأبلغته أنه لا يمكن لنا نشره، وقد جادلني طوال مساء تلك الليلة حول مفهومه لحجاب المرأة من وجهة نظر إسلامية، وأن النص لا يعدو القول بحق المرأة بأن تكشف وجهها وفق الضوابط الإسلامية، وبعد هذا الصراع الطويل معه، قلت له إنني أتفق مع طرحك حيال مفهوم الحجاب، ولكنني في ظروفنا المعاشة  لا أوافق على نشره، أما إذا كنت  مصراً عليه وتتحمل مسئوليته، فأنت  مخرج الجريدة وتستطيع فعل ما تشاء!!
أخليت نفسي من المسئولية ومضيت إلى بيتي ، ولكنني فوجئت في صباح اليوم التالي باتصال " محمد العلي" بي قائلاً: " وش سويت فينا يا ابن الدميني"؟؟
كيف تجيز نشر هذه القصيدة التي استفزت الشارع المحافظ، ليكتبوا خطابا للجهات المعنية بمحاسبة القائمين على هذه الجريدة والمطالبة بإيقافها؟

كانت تلك الكلمات كافية لشرخ علاقة مضيئة بيننا، ولكنني أوضحت له موقفي ، وعمل من جانبه على تجاوز الأزمة فيما لا يسمح المقام بتفصيله الآن!!
وقد تم إيقاف الجريدة عن الصدور لمدة خمسة أيام، وتم استدعاؤه لمقابلة سمو وزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز.
وقد أبلغني " محمد العلي "  فيما بعد ببعض تفاصيل ذلك اللقاء،
معبّراً عن امتنانه  لسعة صدر الأمير وعمق رؤيته ،  كما  أشاد بإنصات الأمير إلى إجاباته على كل ما وجهه إليه من أسئلة.


ب- نشرنا في " المربد " قصة  للكاتبة  الكويتية " ليلى أحمد" ، وقد تلقى " العلي " تقريعاً من بعض الجهات المسئولة، فدعاني إلى مكتبة، وفتح معي محضر تحقيق، حول نشر القصة!!
وقد أجبته – تحريراً- بالمعنى التالي: لا أرى في القصة ما يدعو إلى منع نشرها من كافة النواحي، كما أننا لا نعرف قوانين مكتوبة نستهدي بها لتحديد ضوابط النشر، وقد قرأت لك مقالات كثيرة منشورة في هذه الجريدة تناولت قضايا أشد حساسية فيما يخص واقع المرأة من هذا النص.
وحين أنهيت إجابتي قدمتها له، وكان وجهه متجهماً، فقرأ إجابتي بتأن شديد، ثم تطلّع إليّ و أطلق ضحكة مدوية ، وقال لي وهو يمزق الورقة : قاتلك الله!!

ج – كان الدكتور " حمد المرزوقي " قد عاد من أمريكا بعد حصوله على الدكتوراه، كأحد أعلام الكتابة الصحفية في تلك المرحلة ( عام 79م)، وخاصة فيما كتبه في زاويته الشهيرة بمجلة اليمامة " أوراق وطنية"، وقد سعى كما سعينا للالتقاء ببعضنا، فزارنا في الدمام، ونمت بيننا علاقة صداقة حميمية، ثم التقينا في ندوة في "جمعية الثقافة والفنون " بالإحساء.. وفي لقاء العشاء الطويل حدث سوء فهم بيني وبين الدكتور المرزوقي، استثار غضبه عليّ  بشكل أفسد جمالية اللقاء،  وعلى إثرها غضب  مني محمد العلي غضبة مضريه ، لم يستطع تجاوزها حتى حاكمني على تلك الليلة أمام بعض الأصدقاء الخلّص، في ليلة خاصة، احتفظوا بها كوشم مسيء لي  في الذاكرة!!

ربما تكون هذه الوقفات العاجلة هي أبرز محطات اختلافاتنا، ولكنها ببساطتها أو بجراحها العائلية، لم تترك شيئاً في الوجدان أو الضمير، ومضت كغبار عابر فوق الماء وليس على الماء!!


محمد العلي " ومشروعه الثقافي :

يمتلك العلي وباستحقاق، مقومات رائد مشروع ثقافي، من خلال توفره على المقومات التالية:
• - عدة معرفية قارئة للتراث الثقافي والمعاصر، ومنفتحة على الحداثة.
• رؤية جدلية لتحليل الواقع، ورؤيا متشوفة لآفاق المستقبل.
• ملكة ثقافية نقدية وشكّاكة وشجاعة وتستطيع موضعة ذاتها بقدر من الحيادية الابستيمولوجية، حيال الإشكاليات التي تتناولها.

ولكن هذه الملكات لا يمكن أن تشتغل لوحدها، حيث لا بد من توفر عنصرين مهمين هما:
• مناخ ثقافي وقانوني قادر على حماية حق  التعبير والتفكير و مساءلة وتفكيك أوهام القناعات والقراءات  الثقافية والاجتماعية السائدة.
• حراك ثقافي حيوي يحرض المثقف على إنتاج مرتكزات مشروعه، والعمل على تطويره ، والدفاع عنه، وفق ضوابط الحرية المسئولة.


لقد عاد "العلي " من العراق إلى قلب الوطن، وسلك كل السبل الممكنة لأن يكون المثقف الوطني جزءاً حياً من نسيج المجتمع، لكي يمارس دوره، لا محباً خاملاً، ولا انتهازياً مستمتعاً، وإنما كمثقف نقدي وعضوي ، وعلى كافة المستويات المتاحة والمحفوفة بالمخاطر أيضاً!!
غير أن المناخ الثقافي لم يكن ناضجاً في تلك الفترات البعيدة منذ منتصف الستيينات، كما هو اليوم،  لقبول الرؤى النقدية المختلفة،، فاضطر العلي للتعبير عن حيوية مكوناته وقناعاته بالكتابة الصحفية، عبر زاويته في جريدة " اليوم" ، وغيرها من صحف بلادنا ، ومن خلال ما تخلّق بعد ذلك من محاضراته وقصائده المؤسسة لمناخ حساسية شعرية وثقافية جديدة  في بلادنا .
كانت إمكانات"العلي" الثقافية أكبر من محيطها، وكان المحيط – بمعناه الواسع - عائقاً، فاكتفى بإشعال قناديله الجميلة في كثير من الأمكنة والقلوب، و بالكتابة عبر الصحف ، ولنا فيما تم تجميعه منها ما يعين دارسها المتعمق أو العادي ، لأن يجد فيها مكونات مشروع "محمد العلي" الثقافي الحي، والمجهض أيضاً!

ويمكننا بعد هذا أن نقول: أن  محمد العلي إنسان وكاتب ومبدع ،عصي على التأطير،.. فسيح كبحر.. و مجادل  مسكون بالسؤال، و بالقدرة على موضعة ذاته  دائماً خارج " الأقواس ".
ولذا وجدناه واحداً من أكثر المتشككين في صحة التعريفات الجامعة المانعة، بل ومن أشدّ  الخارجين على صنمية تعريفاتها القارة. فنقرأ ذلك في محاضراته مثلما في كتابته اليومية أو الأسبوعية للصحف، والتي أصبحت جزءاً جوهرياً  من حياته، لا يستطيع التوقف عنها،  ولكنه – دائماً ـ لا يكتب إلا قناعاته،  التي أتقن  عبر ممارسة كتابتها، مهارة  الإيجاز، و الإلغاز، والقدرة على التفاعل مع  ما تحفل به ثقافة التراث وثقافة المعاصرة من عناصر حية، و مع ما تستحقه اللحظة الراهنة والمستقبلية  من موقف نقدي  و تعبيري جديد.




الكاتب: هيئة التحرير
المشرف العام

التسجيل : الأربعاء 10-05-2006
المشاركات : 14836
مراسلة الموقع الشخصي
حرر في الجمعة 12-03-2010 10:14 مساء - الزوار : 662 - ردود : 19
أمام مرآة "محمد العلي "

الحلقة الثالثة

علي الدميني

خصوبة الحقل وحصاد السنين


* - قد يفاجأ بعض المحبين والمتابعين لمسيرة " محمد العلي" الثقافية والشعرية، من قلّة حصاد السنين حين يطلعون على المجلدات الأربعة التي صدرت من مختارات أعماله ، ليتساءلون : هل  هذا هو" محمد العلي " الكاتب والشاعر  " المتواصل العطاء "  على صفحات جرائدنا ومجلاتنا خلال أكثر من خمسة  و أربعين عاما ً؟
هل هذا هو كل ما  أنتجه ذلك المثقف الذي سمعنا عن محاضراته وكتاباته؟
وهل هو الشاعر الذي اجتمعت حوله آراء كثير من الكتاب والمبدعين  بأنه " أب الحداثة الشعرية في المملكة "؟

لا شك أنها أسئلة مقلقة ومشروعة أيضا ً، ولكنني سأرجئ الإجابة عليها قليلا ً، ولكي أعزز مشروعيتها ، سأسترجع من الذاكرة البعيدة والقريبة ما يلي:
أ – عبـّر لي الدكتور عبد الله الغذامي أكثر من مرة عن احترامه لأستاذية  " محمد العلي " وشعريته،  ، ولكنه يأسف لعدم مبادرته إلى تدوين مشروعه الثقافي والشعري  ونشره للقراء ، لكي يخط موقعه الأعمق في حياتنا الثقافية  والشعرية .
ب – في احتفائية ديوانية " الملتقى الثقافي  بالقطيف "  ب "محمد  العلي " في أبريل من عام 2009م،  كنا أمام قراءتين محبتين لشعرية نصه، عبر في إحداها الدكتور سعيد السريحي عن رغبة جمالية متألقة في أن يبقى شعر "محمد العلي"  نصا ً بعيدا ً عن القيد و الحضور المادي  المباشر بين دفتي ديوان  ،حتى  يتحاور فيه الناس، كنص وكأسطورة عصية على قيد التدوين ، لكي نحفظ للشاعر ما صنعه شعره فينا  وما خلقته مخيلتنا له ، من جماليات حضور وغياب  ملتبس بإيهام  علامات الحلم  والتشظي  والرمزية التي لا تتجمع حالتها الشعرية  لديك بنفس الدرجة مرتين!
أما الدكتور سعد البازعي ، فقد تجاوز ضفة جمالية الغياب إلى متعة الافـتتان ب  "حضور" النص المدون، عبر قراءته الموسومة ب " شعرية الماء " في قصائد محمد العلي، مشيرا ً في تعقيب ٍ تال ٍ إلى أن النص المدون سيحتفظ بإمكانات قراءته كنص حيّ  محفز على مقاربته والتحاور الجمالي معه في زمننا الحاضر وفي أزمنة الأجيال القادمة!

* -  وإزاء هذه الأسئلة ، وأسئلة بعض محبيه ، ليس حول شعره  و ريادته " الشعرية" ، وإنما حول قلّة عدد النصوص الشعرية المنشورة في ديوانه " لا ماء في الماء "، سوف نستعيد موقف "محمد العلي"  الذي يرفض دائما ً وبشكل جازم نشر نتاجه الثقافي أو الشعري في كتاب،  ومن ذلك إجابته على السؤال التالي لمجلة " النص الجديد " :

" هناك كثير من أوجه الشبه بينك وبين حمزة شحاته ......ومنها أنه كان زاهدا ً في الشهرة والبروز ، ولم يصدر له في حياته أي كتاب أو ديوان،  وأنت  ما زلت عازفا عن نشر دواوينك الشعرية ومحاضراتك الأدبية والفكرية، ونتساءل : إلى متى تود أن يظل هذا الشبه بينكما  في بعض الخصائص مستمرا ً؟
وقد أجاب : يفرحني فرح العاشقين ان يكون هناك ( وجه شبه) بيني وبين حمزة شحاته .
أما إلى متى ( سيظل الشبه هذا في بعض الخصائص مستمرا ً ) فاعتقد أنه سيبقى ، لأن حمزة  شحاته قد مات . وأنا لن أتغير إلا إلى الأفضل إن شاء الله ، وكلما تغيرت إلى الأفضل ، كان وجه الشبه بيننا أو ضح وأكمل . (النص الجديد  - العدد الأول – 1993م)

لماذا إذن هذا الإصرار العنيد ؟

أعتقد أننا سنجد  الظلال الخلفية لهذا الموقف فيما يلي :
لقد كان المناخ الثقافي والاجتماعي في " النجف " ثم بعد عودته إلى  "الدمام " – آخذين بعين الاعتبار رمزية مكان المدينتين  في تلك المرحلة – عاجزاً عن الوفاء بمتطلبات الحد الأدنى لحرية التعبير والإبداع والتحفيز ، ولذا لم يذهب  إلى الاشتغال على مشروعه الثقافي والتنويري كما يتمنى مبكرا ً ، وترك نتاجه مبعثرا ً في الصحف والمجلات من (اليوم إلى الرياض ، واليمامة والجزيرة ، إلى عكاظ  و الشرق الأوسط والحياة، وإلى القبس والوطن الكويتيتين ، وغيرها) .

و كنت أشعر دائما ً بالحزن لهذا الغياب مثلما كنت أستشعر الخجل عن عدم قيامي بمهمة من أ ي نوع لجمع ما أستطيع من نتاجه،  والقيام بنشره في كتاب، ولكنني بعد أن اطلعت على المجلدين الضخمين الذين  أعدتهما الأستاذة عزيزة فتح الله ( بدعم لا محدود من زوجها ، رجل الوفاء النادر في حياتنا الثقافية ، الأستاذ محمد القشعمي) ، سكنتني غبطة متدفقة وفرح مطري حميم.
أما بعد أن توفرت أمامي جل أعماله ؛ حيث استكملت عدة جهات وشخصيات ثقافية أخرى ( خلال العام المنصرم 2009م) إصدار ثلاثة أعمال هامة هي : مختارت شعرية مسجلة بصوته( على قرص سي .دي) عن نادي حائل الأدبي،  و مجلد  ديوانه الشعري بعنوان " لا ماء في الماء " عن النادي الأدبي بالشرقية، ومجلد ثالث ضم عدداً ضخما ً من مقالاته تحت عنوان " كلمات مائية"  وعمل على جمعها ونشرها كإصدار خاص الأستاذان محمد عبد الوهاب الشقاق، وحمزة حسين الحمود الشقاق ، فإنني  لن أكتفي بالتعبير عن مدى الابتهاج بما بين يدي ّ من أعماله ، وإنما سأرى في هذه الإصدارات الخمسة ، ما يشكّل  ملامح ومرتكزات واستهدافات  مشروع "محمد  العلي " الثقافي والإبداعي ، حتى وإن بدت "قليلة الحجم" ، أو عبنا عليها افتقارها  إلى منهجية تأليف "كتاب" ، أو ما ورد فيها من أخطاء مطبعية  كثيرة، أو اكتفائها بأن تكون كتاباً تجميعياً  لمختارات من مقالات،  أو محاضرات عديدة، كتبت في ظروف وأزمنة مختلفة!

لقد قرأت هذه الإصدارات الخمسة من نتاج "محمد العلي " خلال الوقت الذي أخصصه للقراءة الحرة على مدى عدة أشهر ، و أود أن أشير  للأصدقاء الذين قد يفاجئهم  "قلةّ حصاد السنين"، أن  كاتبنا – لمن لا يعرف كتاباته جيدا ً –  يتوفر على موهبة متفردة في الحديث والكتابة و الإبداع  تتسم بأسلوب الإيجاز و التكثيف مع الاحتفاظ بعمق البحث واتساع عيني الرؤية.
وهنا ،  يمكن لي أن أذهب مطمئنا ً إلى القول  بأن جل ّ مقالاته القصيرة ، ما هي إلا  تلخيص مكثّف لمقالة طويلة، وأن أغلب مقالاته الطويلة كانت خلاصة مركّزة لبحث أو محاضرة .
أما كل محاضرة من محاضراته فيمكن أن نقرأها كمؤلف "مختصر " في حقله ، حيث حفلت تلك المحاضرات بالعمق المعرفي ، وبالمقاربة المنهجية ، وبالحوارية التي تتعالق بين السؤال الواضح، والإجابة المفتوحة على إمكانيات الشك والنقد والمراجعة ، وباشتمالها على تعددية الرؤى المختلفة  التي يوظفها لإغناء مركزية السؤال وفتح أبواب الإجابة على سعة الإمكان ، بما  يحرض القارئ على طرح المزيد من الأسئلة ،  وتكوين رؤية منفتحة باتجاه المستقبل.

وحين نأتي على موضوعة " قلّة نتاجه الشعري"، وهي مدار تساؤل بعض محبيه عقب إصدار ديوانه ، فإنني سأستحضر بعض إجابات شاعرنا على نفس التساؤل الذي تكرر من قبل، حيث أوضح في أكثر من حوار بأنه "شاعر انفعالي " لا يكتب قصائده إلا استجابة لتلك الحالة، كما ألمح إلى انه من جهة أخرى لم "يجيّل نفسه "، ضمن جيل أو مرحلة، ولذا غاب عن اهتمامه الذاتي  حافز الحرص على الحضور الشعري الدائم .
تلك إجابات الشاعر..
و لكنني سأضيف إليها التالي:
شاعرنا مثقف طليعي مهموم بقضايا ثقافية واجتماعية وفكرية عميقة، تشغل حيّزاً كبيراً من زمنه المخصص للقراءة والمتابعة، كما أنه ملتزم بكتابة زوايا صحفية يومية أو أسبوعية منتظمة، وهذه الانهمامات تفرغ كثافة الشحنات العاطفية المحرضة على كتابة القصيدة ، ولذا تغدو تلك الحالة الشعرية الانفعالية  المنشودة نادرة أو متبددة الحضور. 
ذلك أولاً..
أما ثانياً، فإنني سأحاول مقاربة الإجابة الموضوعية على ذلك التساؤل – من وجهة نظري – فيما يلي:
حين يخلص أحدنا للخروج من أسر ما تحتفظ به الذاكرة من مخيال شعر "محمد العلي" ، ويذهب إلى قراءة  مجلد"ديوانه الشعري " كاملاً، فإنه سيقف على تجربة شعرية ثرية ومتفردة ، ومدهشة أيضاً. وسيعيش مع تجربة أنتجها الشاعر عبر رحلة زمنية تجاوزت الخمسين  عاماً، وتدرج في معتركها الشعري من محاضن التجديد والحداثة الشعرية العربية  في تراث أبي تمام وأبي نواس والبحتري والمعري، والمتنبي، وجاوزها بالإفادة من بعض مقومات المرحلة الرومانسية (في اللغة، وفي بروز الفردانية  والحرية )، وانحيازه بعد ذلك إلى فضاء الحداثة الشعرية عبر كتابة قصيدة التفعيلة، فأبدع قصائد مدهشة تهيؤه  لأخذ موقعه كواحد من أبرز شعرائها، لا على المستوى المحلي وحسب، ولكن على مستوى العالم العربي.

كما أن روح الشاعر  الجذلة بالشعر، كانت دائماً تواقة لحراك التجديد والتغيير، في أبعادها الدلالية والجمالية، ولذا نجد شاعرنا قد أبدع ، ضمن مراحله الشعرية المتعاقبة ، قصائد امتدت من القصيدة العمودية ، إلى قصيدة التفعيلة، وحتى كتابة قصيدة " النثر ".
ويمكنني أن أصطحب معي الرأي النقدي الذي يرى بأن كثرة النتاج الشعري ليست مقياساً للتميز والحضور الشعريين، لأن قصيدة متفردة واحدةً  تكفي لنحت صورة شاعرها في الذاكرة والوجدان ، ويكفينا تمثيلاً لذلك الإشارة إلى معلقة "الحارث ابن حلّزة"، بيد أنني فوق هذا وذاك سأقول،  وبيقين أبيض، بأن كل مجموعة صغيرة  من قصائد " محمد العلي " تشكّل ديواناً شعرياً بحد ذاته، وأن هذا المجلد الذي ضمّ أغلب  قصائده، يحوي ما لا يقل عن خمسة دواوين شعرية،  تعبر عن مراحله الشعرية الخصبة ، وتؤهله لأن يكون – وهو بالفعل كذلك - علماً شعرياً شديد  التميز و الخصوصية في الساحة الشعرية العربية المعاصرة. .( وسوف أتحدث عن ملامح ذلك التميز في مواضع أخرى من هذه القراءة )..




الكاتب: هيئة التحرير
المشرف العام

التسجيل : الأربعاء 10-05-2006
المشاركات : 14836
مراسلة الموقع الشخصي
حرر في الجمعة 19-03-2010 12:39 صباحا - الزوار : 662 - ردود : 19
أمام مرآة "محمد العلي "

الحلقة الرابعة

            علي الدميني
مسيرة الترحال ، و سيميائية  المدن  ( 1/2)



مثلث السفر والانتقال من [السعودية إلى العراق ثم العودة إلى السعودية ]، لن يشير إلا إلى  تجربة اعتيادية للرحلة ما بين نقطة الجذور  ( الحياتية والثقافية)  صوب المحيط ، ومن ثم العودة إليها ، ولكن حين نقرأ في مثلث الرحلة ذاته أسماء هذه المدن ( الإحساء – النجف – الدمام )، فإنه لا بد أن يلفت انتباهنا فيه  وجود مدينة "النجف"  كرأس لسهم الرحلة!
وبدون أن نقرأ سيرة " محمد العلي " الباكرة ، أو مشاهدة حواره الضافي مع محطة " إل بي سي "  الذي أضاء فيه الكثير من أبعاد تلك المسيرة الحياتية والفكرية  الطويلة ،  فإن سيميائية مثلث الرحلة  سيدلنا بوضوح على أن  فتى من الإحساء ، اتسم بالتميز في دراساته الدينية ( التراث ) قد أراد له أهله أن يواصل مشواره المعرفي  في مدينة "النجف " و في حوزاتها الدينية المتخصصة.
ولكن الفتى بعد أن تمكن من عدته  المعرفية آب إلى الوطن ، وبدلاً من العودة إلى مضارب الجذور الأولى (الإحساء) التي توسمت فيه " رمزية " عالم ديني ، استقرّ في الدمام ولم يعد إليها!!

لماذا إذن حدث ذلك ؟

قبل أن نبدأ بمقاربة الإجابة ،سنلقي نظرة خاطفة على شيءٍ  يسير مما حفل به "لسان العرب"  عن هذه المدن:

"الإحساء ":  من ( الحسي  - تجمع الماء ) وقد أورد لسان العرب في مادة " الحسي " أنه : سهل من الأرض يستنقع فيه الماء، وأورد أيضاً : وقد رأيت في البادية أحساء ً كثيرة ..، ومنها أحساء "بني سعْد " بحذاء هجر وقراها ، وهي اليوم دار القرامطة وبها منازلهم" .
فللإحساء إذن محمولها  الدلالي عبر التاريخ، فهي منطقة زراعية خصبة ، تتدفق فيها العيون ، و تحفل بحضور سياسي وأدبي عبر عصور التاريخ.

"النجف " :  جاء في "لسان العرب " أن النجف تعني التل ّ، ، ونقل عن الأزهري : والنجفة التي بظهر الكوفة، وهي كالمسنّاة تمنع ماء السيل ( ويقصد ماء الفرات ) أن يعلو منازل الكوفة ، ومقابرها.
ولذا فإننا سنرى  في هذا التوصيف الحغرافي دلالات عميقة لمكونات  هذه المدينة التاريخية، التي غدت  حامية لرمزية "الكوفة" السياسي، وقبورها كمرموز للحفاظ على فاعلية "التراث الديني " ، والعمل بعد ذلك على تثبيت موقعها كمدينة "مقدسة " في وجدان الطائفة الشيعية في العالم الإسلامي عبر العصور.

"الدمام " :  يشير لسان العرب إليها من  المعنى المشتق  من "الدّمّ"، و يورد ذلك بصيغ متعددة تؤكد على أن " الدمام "، هي الطلاء بحمرة أو غيرها !
ولذا لا تحفل الدمام بمحمول دلالي تاريخي كمكان أو مدينة أو ثقافة محددة، وإنما تكوّن اسمها كمكان حديث و متحرر من سطوة التاريخ ، يحاول لوحده أن يبحث عن تحقيق مسمّاه ، في حياة جديدة، فتحت عينيها على مرحلة تدفق النفط في المنطقة الشرقية من المملكة، وتشكلت فيها حواضن طموح ينزع إلى المستقبل والحداثة الاجتماعية والثقافية والسياسية.

هذه الإلماحة  المقتضبة إلى المحمول الدلالي لتلك المدن في التاريخ، يشجعنا على  التساؤل ثانية ، حول : 
لماذا ترك " العلي " المقام في مدينتين عابقتين بالتاريخ والتراث، ليستقر في مدينة " لا تاريخ لها "  ؟

ستجيبنا سيرة "محمد العلي" عن ذلك تدريجيا ً،  فيما يلي :
• - دراسته  في " النجف " قد عمّقت معرفته بالتراث ، وهذه المعرفة ، غالباً، ما تعمل على تعزيز القناعات الموروثة ( وفق نهجها السلفي ) لدى الدارس من أجل أن تصبح فضاء ً حياتيا يمارس من خلاله تحقيق قيمة وجوده الشخصية و الرسالية ، لكي يكون حارساً أميناً لمرتكزاتها  واستمرارية حضورها.
غير أن تلك المعرفة الخصبة ، بالحقل الذي يشتغل عليه وفيه الدارس ، قد تحفزه من جهة أخرى  لطرح أسئلة جذرية مغايرة لمكوناتها واستهدافاتها ، وقد ألمح  "محمد العلي " في محاضرته عن " الموقف من التراث " إلى ذلك بطرح التساؤل التالي  :[ولكن .. هل أدع إيماء التاريخ يأخذ ببصري حيث يريد؟ لا ، وإلا أصبحت دون إرادة يمكنها أن تختار] ..( محمد العلي شاعراً ومفكرا ً – ص 281).

*  وحين ندفع خيول الأسئلة إلى آخر الشوط .. يمكننا أن نتساءل  :ترى  لو أن "محمد العلي " مضى في تحصيله الدراسي الديني في مناخ ٍاجتماعي وديني بسيط ، مثلما في قريته "العمران " ( في الإحساء ) ، التي كانت ستنسج ترميزها له كرجل "دين " ،أكنا  سنعرفه اليوم  ملقباً ب  " سماحة الشيخ محمد العلي، أم الأستاذ المفكر "محمد العلي"؟ 
أحد الاحتمالات الأكثر ترجيحاً عندي أننا سنعرفه بلقب "سماحة الشيخ " لأنه كان سيجد القدرة على التفاعل مع عفوية الحياة وبساطتها والتزامها الديني ، بما يكفل له إيجاد المعادلة الذهبية  لتعايش المدني والديني  في أعماقه الوجدانية  وفي ممارساته الحياتية، سيما وأن منطقة الإحساء تتسم  بحياة اجتماعية وثقافية متسامحة ،  تعايشت فيها المذاهب السنية المتعددة مع مثيلاتها الشيعية المختلفة، في بيئة شكلت أنمودجا للتسامح والتعددية.

إذن لماذا غيّرت دراسته الدينية المعمّقة في " النجف " مسار حياته الفكرية ؟
سوف نجد الإجابة المواربة على هذا السؤال في  متن كتاباته ، ولكننا سنسمعها منه  بوضوح  في حوار تلفزيوني مع محطة ( إل .بي.سي) حين قال : [إن  تجربة حياتي في " النجف" كمدينة صحراوية ودينية ، قد عصفت بي ، فتلك المدينة إما أن تدفعك إلى الاستسلام والخمول  الذي لن يعقبه صحو، أو تدعوك إلى  " التمرد" .. كثيرون قادتهم  " النجف " إلى التمرد، وشخصياً دفعتني للتمرد حتى على نفسي ، ولست آسفا ً على مرحلة التدين تلك ..أنا اليوم أختلف كثيراً ] (منبر الحوار والإبداع 15/7/2009م).
ولكي نستكمل احتمالات السؤال كاملة  سنقول : ترى لو أن محمد العلي بعد تمرده على تجربته الدراسية في "النجف" وانحيازه إلى حواضن ثقافية وسياسية  مغايرة ( ومنها البعث ) كانت ستوظفه في دولابها المؤسساتي والحزبي ، أكنا سنقرؤه  شاعرا ً ومثقفا ً ومفكرا ً حراً ، مثلما نعرفه اليوم؟
الاحتمالات مفتوحة على كل الممكنات، ولكن ما  ينطوي عليه كاتبنا من حس إنساني صادق وثقافة عميقة  أخذ بيديه  للخروج  من شرنقة  ذلك القفص الذهبي، حيث ألمح إلى هذه المعمعة القاسية،  في حواره  المشار إليه آنفا مع محطة ( إل .بي .سي ) بالقول: [ إن ما قام  به القوميون والبعثيون في العراق عقب انقلابهم في عام 63م، من قتل همجي للمئات بدون سبب ، سوى الرغبة العمياء في الانتقام من شيء  لا أدري ما هو؟  ...كل ذلك دفعني لمغادرة العراق والعودة إلى وطني والاقتراب بعد ذلك – فكريا ً – من اليسار !]



* ما دام الأمر كذلك ، فلماذا لم يغادر العراق إلى لبنان أو إلى مصر أو غيرها من بلدان العالم ؟

الإجابة على  هذا السؤال ،  سوف نجدها في مرتكزات ومكونات مشروعه الثقافي،  حيث سنرى أن سفراً مثل ذلك ،  سيعبر عن موقف سياسي أو حداثي ، يعني القطيعة مع التراث أو الانقطاع عن المكان، ولكن حداثة "محمد العلي "  في غالبية تجلياتها ، تنبني على جدل التراث والحداثة ، ضمن  صيرورة زمنية مستمرة  ، لا كعملية راديكالية حلمية  أو فعل قطيعة ، ولذا اختار الاستقرار في الدمام، لأنها مدينة جديدة تتشكّل بهدوء منفتح على الأمل،  دون أن تضطره لأن  يغدو حامياً "للتراث " وفق آماني "الإحساء " ، أو تقوده إلى معارك  صخب سياسي دموي مثلما في " العراق ". 

وهنالك  ستأخذ الدمام  موقعها في مسيرة السفر والتنقل ، كميناء للمسافر ، وخيمة ً للمتأمل ، مثلما ستكون منفى مثقلاً بدلالات " الغربة  والاغتراب "، وفيها سيفتح اشتعال شجر الحنين العاتي أبواب معادله الشعري، في تجربة "محمد العلي" ، حيث يحضر مخيال  الأصدقاء القدامي والأمكنة البعيدة أولاً،حيث نقرأ أقساها حرقة في قصيدته " غربة ".


[ها هنا ،حيث لا يرى الحب والشوق طريقاً إلى قلوب العباد
ويفر ّ الصبـــاح خوفــا ً من  الأعين  حتى  كأنّها  من  قتاد ِ

.......................
....
...

أهنا ، حيث أدمـَنـَت نكبة الإنسان من كأس حاضري و تلادي
سوف أحيا؟ أعيش ُ؟ ، دون انتظارٍ  لفراق ٍ ، أو شهقة ٍ لمعادِ

يا حياة اركضي فقد ذبل النور وشل ّ العناء صوت الحادي
لن تنالي قبــرا ً كبيرا  ً يضم  النـاس  في غير هذه الأبعاد ِ]
( محمد العلي شاعرا ومفكرا – ص 428)

وسنجد تلك " الغربة "  ، ثانياً ، في معظم قصائده اللاحقة، حين تتبدى  في  أبعادها الرمزية العليا، كتعبير عن غربة الإنسان في وطنه، من مثل قوله  في قصيدة  " شظايا "

[ النوارس تسأل : من قلّد البحر هذا اللجام
وأسكت لون الصهيل بأمواجهِ؟
وكيف تدجّن
واستسلمت
مجامر لؤلؤه للرماد؟
وما ذا سيصنع هذا الفنار بأسمائه
وهي تهوي بفوهة الرمل
من بعد ذاكرة الأشرعة؟ ] ( الديوان – ص 27)





الكاتب: هيئة التحرير
المشرف العام

التسجيل : الأربعاء 10-05-2006
المشاركات : 14836
مراسلة الموقع الشخصي
حرر في الجمعة 26-03-2010 01:44 صباحا - الزوار : 662 - ردود : 19
أمام مرآة "محمد العلي "

الحلقة الخامسة
        علي الدميني
مسيرة الترحال ، ورمزية المدن  ( 2/2)


* و ستمتد سيميائية " الدمام " في حياته  لتغدو جغرافيتها المطلة على البحر والصحراء ، كرمز بارز على جدلية الحركة والسكون، الماء والعطش، التراث و الحداثة ، وستتبوأ مفردة " البحر " موقعها الرمزي العميق في شعره كمعادل موضوعي لحركة المجتمع  في سكونه وعمقة وغضبه واحتمالاته ، مثلما ستصير مفردة "الماء " معادلاً آخر لجماليات الحلم والافتتان بتأمله والبحث عن القبض على مثالات  شفافيته النافرة!

وإذ ْ  كانت الحياة والدراسة في " النجف " مناخاً حاسماً لبلورة متلازمة " التأمل، والنقد والقطيعة " في مسيرة حياة محمد العلي، فإن "الدمام " قد غدت محطة ومختبراً لتطور تلك المتلازمة ، وفيها يخوض  جدل التراث والحداثة  أصعب معاركه، حيث  يشير إلى ذلك في هذه العبارة : " ليس أشد عسرا ً من أن يهدم إنسان ٌ ما  رأيه بيديه ، حتى ولو كان ذلك في سبيل الوصول إلى رأي أكثر صواباً، فمن طبيعة الإنسان الدفاع عن آرائه، لكنه حين يصل نضجه إلى حد فحص آرائه ، ونقدها ، وهدمها، .. فمعنى ذلك أنه قد تجاوز نفسه، ومعناه الآخر: أنه أسلم خطاه إلى اتساع الرؤية، وعلميتها  " ( محمد العلي شاعرا ومفكرا ص 215). وفي الدمام  ستتبلور رؤيته الفكرية وسينحاز إلى تجربة كتابة قصيدة التفعيلة، ويمضي إلى نهر الحداثة، في مختلف تجلياتها الثقافية والفكرية والإبداعية والاجتماعية والسياسية، حين اختمرت عدتها المعرفية وتطلعاتها الديمقراطية  في وجدانه،  منذ أواسط الستينيات الميلادية.

* ولأن "محمد العلي " شاعر وناقد ومفكر، فقد أخذت هذه الحقول موقعها الأساس على رأس سلم أولويات انشغالاته الكتابية، بينما تغيب أو تتنحى  في خلفية الصورة  هموم المشاغل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، في أبعادها اليومية، على الرغم من أنه من أشدّ الناس عاطفة حيال أي موقف أو قضية أو حدث يمس حياة أو حقوق الفرد أو الجماعة ( وطنيا ًأو عربيا  أو عالمياً).
لذلك فإنه  حين يقارب تلك الحالات أو الهموم فإنه  ينزع إلى التعاطي معها – كتابة وحوارا ً – وفق منظور فلسفي و تاريخاني، يحولها من يومية الحدث العابر إلى بعدها الأعمق في مسيرة الزمن، فيقبض على دلالاتها كعنصر من عناصر التحول والنقض والهدم  والتمرد  والبناء ، ضمن رؤيته لمسيرة  صيرورة الحياة وتعاقب تحولاتها.

  مدنٌ أخرى ودلالات:
                               
ولاستكمال حضور سيميائية المدن في حياته الثقافية، سنعرج على المدن التالية:

نجد /الرياض :
بالرغم من أن لسان العرب يشير إلى أن "نجد" هي المنطقة الواقعة ما بين أواسط شبه  الجزيرة العربية حتى قلب العراق، إلا أنها لم تعد كذلك في حياتنا المعاصرة، حيث تحدد موقعها بوسط المملكة وحسب، لذلك  فإن  "الرياض "، عاصمة الوطن  ومحضن النخب ا لمؤثرة في صناعة مستقبل الوطن،  تحضر في أحاديثنا أو كتاباتنا متلازمة مع  "نجد " . . "نجد " المرتقى العالي، والأصعب، ونجد النجدة والإنجاد ( بحسب نفس القاموس) ، ولذا يمد  "محمد العلي"  يديه إلى ذلك المعنى ، حين ألقى  فيها ( وليس في الدمام الفقيرة ثقافيا )  أولى محاضراته  بعد عودته من ( العراق / النجف )،  بدعوة من منتدى الأمير خالد الفيصل، الذي كان يشرف عليه الأستاذ "سالم النحاس " في عام 1964م.
وقد كانت المحاضرة بابا تعرف فيه نخبة من مثقفي الرياض على مثقف طليعي مختلف، وكان من بينهم عبد الله نور وعبدالله الماجد، و فواز عيد  و سواهم من الأقلام والعقول التنويرية في تلك المرحلة (* )

وقد دعته "الرياض "مرة ثانية عبر ناديها الأدبي لتقديم محاضرة في عام 1996م، فاستحضر المكان المعاصر  وتحفيزاته ليكتب واحدة من أهم دراساته بعنوان " المثقف و الأيديولوجيا"، والتي يؤكد في إحدى فقراتها على دور المثقف ، قائلا ً: [ إن المثقف لا بد أن يحترق بالحنين إلى ما أسميه "أيديولوجيا المستقبل"، لأنه دائما ً في توق إلى ما يجب أن يكون لا إلى ما هو كائن.
إن أيديولوجيا المثقف أيديولوجيا  مستقبلية (هيولي) غير متحققة، يسعى المثقف إلى أن يحققها بعناد، وإن كان على يقين من أنها لن تتحقق. وإن تحققت ففي مأزقها النسبي]. ( محمد العلي شاعرا ومفكرا - ص 318).
وقد أصر ّ النادي على ضرورة الاطلاع علي المحاضرة  قبل إلقائها ، مما حدا به إلى رفض الطلب، فألغيت المحاضرة ،  وتم نشرها فيما بعد ،  عام 96م في العدد الخامس من  مجلة " النص الجديد ".

وستبقى الرياض – المدينة والرمز – حاضرة في  جدل علاقته بنفس المكان، حيث يقول في  قصيدته "غابة الصدأ ": 

["توسّد غصون لياليك ، أوقد بها سهد قلبك َ
إن الجليد استطال ،
فأفرغ  حرارة ما تتذكّر فوق الجسور
التي يعبر الدف ء فيها، لتمتد ثانية ً
لم تعد نجد نجداً
فأشعل قصائدك الغزلية ، كفكف غيومك
من أفقها الأموي ،
استجبْ للرياح ِ
وخذ ْ من يديها يديك !]


( محمد العلي شاعرا ومفكراً – ص 403)


وكأنه لا  يتصادى ، وحسب ، مع قول الشاعر الشعبي " يا نجد من سماك نجد غوى اسماك ...."
وإنما مع بيت الشعر الذي أورده لسان العرب، حين قال في مادة " نجد " أنشد ثعلب : " ذراني َ من نجدٍ فإن سنينهُ
لعبن بنا شيباً وشيّبننا مـُرْدَا ".

ولذا لم ينشغل "محمد العلي "  بالتفكير في الإقامة الدائمة في الرياض ، رغم ما تحفل  به من وعود وظيفية أو ثقافية براقة !


الطائف :
حين استضافته مدينة الطائف ليلقي محاضرة في جمعية الثقافة والفنون، اختار "محمد العلي" موضوعا عنوانه "الغموض في الشعر".
لماذا اختار الشعر وغموضه دون غيره من الموضوعات الكثيرة  التي يشتغل عليها ؟
لاشك عندي أنه اختار ذلك الموضوع مستجيباً  لإيحاءات المحمول الدلالي التاريخي  الأبرز لمدينة  الطائف،  والمتمثل في سيميائية ترابطه ب  "  سوق عكاظ" – في جانبه الشعري – و مخيال "النابغة الذبياني " ، الشاعر والناقد والحكم بين الشعراء في ذلك السوق.
ولذا فقد عملت هذه العناصر على تحفيزه لإعداد محاضرته التي عبرت عن جدل التراث والحداثة في مكوناته الثقافية ، ليستعيد ويحاور مقولات النقاد القدماء حول "غموض الشعر" و صراعاتهم حول ثنائية (الوضوح / الغموض) ، التي تركّزت حول  مفهوم " عمود الشعر"، حتى يصل إلى  الحوار مع بعض النقاد المعاصرين الذين ينظّرون لبلاغة  الغموض، والانتقال من المعنى إلى الإيحاء، ويطرحون مسألة " سقوط الأغراض"، وبعد ذلك يجلس تحت خيمة "النابغة " ليقرأ بعين نقدية حداثية ، قصائد عدد من شعراء المملكة البارزين ، في تلك المرحلة . (محمد العلي شاعرا ومفكرا – ص 275).

جدة:
دعته هذه المدينة الأكثر تعبيراً في بلادنا  عن الجدل الخلاق بين التراث والحداثة، ليحاضر في ناديها الأدبي ، فأصغى إلى المحمول الدلالي الهام لمدن الحجاز الحافلة بفاعلية الحضور السياسي و الفقهي والثقافي والاجتماعي والشعري وقيم التعايش والتسامح والانفتاح على الجديد وعلى الآخر ، فقدم محاضرته الهامة عن "مفهوم التراث" ، ( وسوف نعرض لها في محور آخر من هذه القراءة ).

بيروت :حين لم تفِ متلازمة ( الدمام / الوطن)  بوعودها الحلمية ، في حياة حضارية وثقافية حديثة، قام الشاعر بهجائهما معاً:

[ما الذي سوف يبقى
إذا رحت أنزع عنك الأساطير
أرمي المحار الذي في الخيال إلى الوحل؟
....
... ]

لذلك، فإنه منذ سنوات تنوف على العشر كان يبحث عن مستقر جديد كرديف للدمام، يكون متكأً لحراك  رحلة الشتاء والصيف.  و رغم عشقه ل "مصر " وللنيل، إلا أنه حسم خياراته  واستقر في "بيروت" .. المدينة  المثقلة بأوصاف مدينة الحرية والجمال والقلق السياسي والمعرفي.
يسكنها في رحلة الصيف الطويلة ، وفيها تنبت أغصان تجربة شعرية تكتب "قصيدة النثر" إلى جانب إبداع قصيدة "التفعيلة "، و فيها تتجلى  معاني الانتماء  إلى المكان ( إنسانيا و عروبيا ً) خلال حرب إسرائيل على لبنان  في  صيف عام2006م ،  حيث لم يرد مغادرتها تضامناً مع الشعب اللبناني .
وفي( بيروت / لبنان ) المكان الأكثر تجسيداً لثقافة التعددية ، برغم كل الظروف الصعبة، يستعيد  "محمد العلي " علاقته برمز تنويري يعبر عن ممكنات الحداثة الكامنة في التراث ، وهو الشيخ حسين فضل الله، زميله الدراسي القديم في النجف، مثلما يجسَر علاقته بأهم رموز الحداثة الثقافية والشعرية العربية  المعاصرة، صديقه " اللدود " أدونيس!
ولعل مناخ الحرية  الذي تهيأ لشاعرنا على قمم جبال "برمانا" قد أعانه على التأمل وإعادة النظر في بعض  وجهات نظره ومواقفه، ومنها موقفه المتحيز السابق من " أدونيس" ، فخاطبه بقصيدة لافتة  بعنوان "إليه"،  لا تنهض  على مشاعر "نستالوجيا " الحنين إلى الأصدقاء ، وإنما تتوجه إليه كثقافة و كسؤال وكموقف :

" لماذا يراك السؤال أباه؟
ولماذا
إذا السهم قارب نحرك يخضرُّ
يخجل من نفسه
ثم يرتد محتقناً نحو راميه ؟
لماذا أخالك نهراً
يقايضه الشجر المرتوي
من عذاباته
بالحجارة؟ ..الخ ( الديوان – ص 132)


أما حين يأتي الشتاء، فإن شاعرنا  يغادر موسم  "التزلج" على الجليد في "فاريا" ويعود مشتاقاً إلى دفء "الدمام" ، وإلى الطرقات التي لوّن مساراتها ، بالقليل من الضوضاء ، والكثير من الاحتضان !!

------------------------------------------

( *) ( اتصلت بالأستاذ محمد العلي لأستفسر منه عن عنوان المحاضرة وعن مضمونها ، وعن سر غيابها  عن متن  الكتب التي صدرت عنه،  فابلغني أنه قد نسي عنوانها بالتحديد، أما مضمونها فإنه محاولة لطرح السؤال الذي يتكرر دائماً عن سبب تخلفنا عن ركب الحضارة والحداثة الثقافية والشعرية  والاجتماعية ، ومن ثم كانت المحاضرة أو الورقة تهدف إلى خلق حالة حوارية  في هذا الملتقى عن تلك الأسباب.  وقد قدمتها في ذلك ا لملتقى في عام 1964م ، ونُشرت في ثلاث صحف محلية منها جريدة الرياض ، ولكنني  أهملتها لأنها كانت كتابة انطباعية وسريعة، ولعل ما جاء فيها قد اختزنته وعبرت عنه في كتاباتي اللاحقة .)

أما الأستاذ صالح الصالح فقد أورد في مشروع كتابته عن "جدل الفكر المعاصر في المملكة" ، وفي الجزء الخاص بتجربة محمد العلي، أن عنوان تلك المحاضرة هو " الظواهر التي نأت بشعرنا عن  الشعر  الحديث".

هامش :
*مصدر استشهاداتي في هذه الحلقة وسابقتها  :
  كتاب " محمد العلي – شاعراً ومفكراَ( مختارات )" ، و كتاب " محمد العلي – دراسات وشهادات"، إعداد الأستاذة  عزيزة فتح الله ، الصادر في عام 2005م، توزيع دار المريخ للنشر – القاهرة.
    و موقع "منبر الحوار والإبداع " ، ورابطه  http://www.menber-alhewar1.org/index.php

          *نشرت هذه المقالة في مجلة "دارين " العدد 21عام 2009م، الصادرة عن النادي الأدبي بالشرقية.




الكاتب: هيئة التحرير
المشرف العام

التسجيل : الأربعاء 10-05-2006
المشاركات : 14836
مراسلة الموقع الشخصي
حرر في الأربعاء 07-04-2010 10:01 مساء - الزوار : 662 - ردود : 19
أمام مرآة " محمد العلي "

علي الدميني
 
الحلقة السادسة

الانشغال بتجلية  " المفاهيم"


يشغل  تحديد المصطلح والمفاهيم موقعاً مركزياً في فكر ونتاج محمد العلي ، ولذلك يصطحبنا في كل كتاباته للوقوف معه على إشكالية المفاهيم والعناية باستقصاء حمولاتها المتعددة في القاموس وفي سيرورة التاريخ . وسوف نجد أن هذا المنحى المنهجي يكاد أن يخترق عمودياً كل "محاضراته" ومقالاته المطولة، التي نقرؤها في  "مفهوم التراث " ، و "المثقف و الأيديولوجيا" ، و " حول الغموض الشعري" ، و " مفهوم الوطن " ، و " نمو المفاهيم ".

و الذين يعرفونه عن قرب ، يعايشون  "دقّته " في تمحيص الآراء والأخبار، والمفاهيم، والمصطلحات، وعدم تقبّله لها على إطلاقها، ومن ذلك توقّفه، أمام السؤال المطروح عليه، أو على الجالسين معه، ومن ثم يقوم بتعديل صياغة السؤال ، لا من الناحية اللغوية، ولكن من ناحية التماسك المنطقي لمضمونه.
تلك خصيصة فطرية وثقافية  يتميز بها " العلي" ، ولكنها لم تكن ستحقق فاعلية حضورها ، إلا عبر مروره بمحاضن الدرس  الأول " الفقهي" ، والدرس الثاني "اللغوي" ، والدرس الثالث " الشخصي" ، الذي انشغل فيه طوال حياته بالقراءة والمتابعة والحوار، وتعويد الذات على احتمال قسوة الاختلاف، ومراجعة القناعات ، والعبور من ضفة ضيّقة إلى أخرى أكثر انفساحاً، ليتجلى دور كل تلك المقومات الذاتية  و المحاضن الثقافية  في كل نتاجاته الإبداعية ، والنقدية ، والفكرية.

ما الذي يقف خلف هذا الشغف "بالمفاهيم "؟

حين يقارب "العلي " تحليل المصطلحات والمفاهيم، التي تبلورت وفق سياقات عديدة و رؤى متباينة ، فإنه غالباً ما يدخلنا  في حقل قراءته المنتجة ، عبر السؤال التالي : لماذا اختلفت هذه الرؤى وهذه المواقف حول قضية ما: عقدية أو فكرية، أو نقدية ؟
وفي طريقه للبحث عن جذور الأسباب ، يأخذنا  إلى مناطق السياقات التي أدت إلى ذلك الاختلاف، ليفتح أمامنا آفاقا للتأمل والنقد والشك، ليس في المفاهيم وحسب ، وإنما في السياقات الاجتماعية والثقافية التي أنتجتها، وسوف نشير إلى ذلك عبر الوقفات التالية:

1- تطور المفاهيم، و ركودها:

• - في دراسته المعنونة  ب" المثقف والإيديولوجيا" ، يقول: " المفردات في حركتها حتى تصبح مفهوماً، لا تنضج دفعة واحدة.. لذا فهي ذات طبيعة تراكمية .. من هنا يصبح تعريفها اقتناصاً لما اكتمل من هذا التراكم ، فإذا أزداد أصبحت في حاجة إلى تعريف آخر .. وهكذا  ( محمد العلي شاعراً ومفكراً – ص 207). 

• وفي محاضرته " الفرق بين الرؤية والموقف " ، يقول : " إن أي سؤال يحتفظ بتماسكه فترة من الزمن، فمعنى ذلك : أن الإجابة عليه لم تزل ناقصة" (  مجلة النص الجديد – العدد السادس / السابع 1997م).
• أما في محاضرته في النادي الأدبي بالدمام في 7/3/2007م  بعنوان " نمو المفاهيم "، فإننا نمضي معه للتعرف  على سؤال المفهوم، ومركزيته في حياة الإنسان والمجتمعات كمعنى ، وعلى ضرورة  تطوره مع متغيرات الزمن، حيث يقول:
- المفهوم فلسفيا هو " مجموع الخصائص الموضحة لمعنى كلي " أما التعريف الذي اقترحه ، والأكثر وضوحاً فهو أن " المفهوم هو تحول المفردة اللغوية إلى مفردة تاريخية " (منبر الحوار والإبداع – تاريخ 23/3/2007م  - ص 1).
- " أول اشتياقات الإنسان الروحية هو البحث عن المعنى ...لأن الوصول إلي معنى الوجود الإنساني وإلى معارفه وتصوراته وقيمه وحاجاته الروحية والبدنية ، هو الهدف الأول للإنسان .. ( المصدر السابق –ص 1)."
- " البحث عن المعنى لا يتوقف عند حد ، بل يستمر صعوداً، فكلما وصل الإنسان إلى معنى يرضيه ويتخذ موقفاً على ضوئه، تولدت تصورات جديدة .. تضيف على المعنى ما يزيده ، أو حتى ينقصه" ( المصدر السابق ص 2)."
- "  المفاهيم تؤثر في سلوك الأفراد والمجتمعات ، وتصوغ رؤيتهم إلى وجودهم . فإذا لم تكن واضحة، اضطربت هذه الرؤية وتشتت السلوك الفردي والاجتماعي .( المصدر السابق – ص 1)."

تلك إلماحات إلى أهمية  تجلية "المفاهيم" ، أما عن أسباب ركودها  في تراثنا وفي حاضرنا الثقافي، فإنه يعزوها إلى  عدد من المكونات المنضوية تحت مظلة محمولات " السبب اللغوي":

"السبب اللغوي" ، هو الجذر الأساس الذي يقف خلف ذلك الركود، " باعتبار اللغة هي المنبع الذي تتدفق منه كل الرؤى والتصورات"  بحسب ما ورد في محاضرته..
لماذا؟
لأن لغتنا لغة  "يقينية " ، تم تكريسها بفواعل الظروف الاقتصادية والسياسية والقراءات الدينية، لتعمل على  إنتاج وإعادة إنتاج  ثقافة تعتمد  على  تجاهل الأسباب ،  "وهذا معناه – بحسب قوله – غياب الفكر الفلسفي والنقدي الذي يعيد الظاهرة ، لا إلى سبب واحد ( مثلما تفعل ثقافتنا) بل إلى احتمالات متعددة".
وهذه الخاصية "اليقينية " للغة،  أثرت سلبياً في البنية  الجوهرية لثقافتنا ، وكرّست عجزنا عن تحرير المفردة اللغوية من أسر "قاموسها" الجامد ، لكي تصبح مفهوماً  تاريخانيا  يستجيب لدواعي التطور، والتحول والمغايرة.  وقد صبغ كل ذلك – بحسب رأيه -  بنية المعرفة التي تكونت في ثقافتنا على ثنائية " إما أن تكون صحيحة أو خاطئة"، وهذا أغفل إمكانات التعددية ونسبية امتلاك الحقيقة، ورسّخ ما تنطوي عليه الحضارات الشرقية من جذور " الحدس" مقابل جذور " العلم " في الحضارات الغربية.
وبطبيعة الحال فإن نتاج تلك البنية المعرفية  وتلك اللغة اليقينية، سيتجلى في إخضاع العقل لسيطرة التقليد والنقل والتكرار دون إبداع أو إضافة، و في تغييب الإمكانية النقدية و الفلسفية التي تعنى ب"خلق المفاهيم "، القادرة على التعاطي الخلاّق مع المتغيرات والتحديات.

وقد أشار "العلي"  إلى بعض الرؤى النقدية والعقلانية  لدى قلة من أعلام تراثنا ، والتي بقيت سجينة في إطار مجالها الفردي فقط، و لم تتحول مع الأسف  إلى فاعلية منتجة في  حياتنا الثقافية، من مثل قول " أبن خلدون "  في كتابه "المقدمة " :" أن للواقع قوانينه الذاتية التي تحركه،  ويدركها الإنسان بعقله، وينفذها بجهده،  وهي قوانين العمران الاجتماعي ... والتي لا علاقة لها بأحكام الشريعة " ( المصدر السابق –ص 3) .

ولكن تاريخنا الثقافي لم يدرك تلك القوانين "الخلدونية " وسواها، وبقينا ننوء تحت وطأة  "  لغتنا اليقينية"  بكل محمولاتها،  وذلك ما أعاق تطورنا و حدد موقعنا في السلم الحضاري الذي نعرف مكاننا فيه جيداً!!

2 - تداخل " القيم " و "المفاهيم"

تطرقت تلك المحاضرة إلى قضايا كثيرة تفتح الأبواب الواسعة للأسئلة، ومن أبرزها ما أسهب فيه " المحاضر" حول " تداخل المفاهيم والقيم " ، ليتفرد في هذا البحث بأطروحة بالغة الأهمية ، يمكننا أن ننسبها إليه ، وهي أن "القيم" مقولات مجردة عامة يشترك فيها البشر ، في كافة الأزمنة والأمكنة، من مثل، قيم الصدق، والخير ، والعدالة، والحرية ، والمساواة،  ..الخ، ولكن التعبير الوجداني والعملي عنها يتم من خلال "المفاهيم" التي تذهب إلى تحويل القيمة إلى آلية عمل في الواقع، وذلك ما يؤدي بالطبع إلى الاختلاف، من فرد إلى آخر ، ومن مجتمع إلى سواه.
ويقول كخلاصة لهذه الأطروحة :[ القيمة يقين ثابت ، أما  المفهوم  فهو يقين مرحلي، لذا فإن القيمة لا يختلف عليها الناس، لأنها حاجة عامة، أما إذا دخل المفهوم إليها ، فإن طريق المجتمعات إليها يكون مختلفاً حسب اختلافهم في السلم الحضاري!]( المصدر السابق – ص 4).


3 – دور المثقف النقدي في تحرير "العقل " بتحرير المفاهيم:

يقول "مالكوم برادبري "  إن العصر الذي نعيشه هو عصر المصطلحات ، لذلك توجب علينا تحديد وبلورة المفاهيم "
و يقول الأستاذ إبراهيم البليهي: " إن مشكلتنا هي أن العقل يحتله دائماً الأسبق، وليس الأصوب".
وكان الفارابي - فيما يستشهد به "العلي – قد قال " : "إن العوام في كل أمة أسبق من الخواص والعلماء ، وبالتالي فمعارفهم أسبق في الزمان، وإذن فأول مراحل نشأة المعارف هي مرحلة المعارف المشتركة، التي هي مبادئ رأي الجميع "، وبالتالي هي  أقدر في التأثير على الأذهان.

لذلك ينشغل العلي كثيراً، بدور المثقف  في تحرير المفهوم من سطوة اللغة اليقينية التاريخية، التي يتم توظيفها لترسيخ معارفها القديمة في الوسط الاجتماعي ، حيث يقول في محاضرته "نمو المفاهيم " " [ إن اختلاف الثقافتين ،الفردية والجماعية ينتج أمامنا أبواباً للتأمل، ومن تلك الأبواب أن اللغة الوراثية تحتوي على " القيم والأساطير والخرافات ، والطقوس  وأساليب الحياة الأخرى " ، أما الفردية فهي تعاند ذلك السيل الجارف وتضع أمامه ما ينقيه من صخور العادات ، ومنزلقات الخرافة والجهل، أن لم تتخلص منه دفعة واحدة ].

في ضوء ذلك شغلت مفاهيم متداولة كثيرة موقعها في جل محاضراته ومقالاته، فحاور المعنى "القار" في بنية كل منها، مثل : التراث، التاريخ، الاجتهاد، الاعتقاد، الوطن ، الهوية، الانتماء، التربية، المعرفة، القراءة، التعلم ، الخ.
كما  توقف أمام  العديد من المفاهيم الحديثة  مثل ، الرؤية، الرؤيا، الموقف، التعددية، الاختلاف، الأيديولوجيا ، العولمة ، ليقاربها وفق مسارين متكاملين، يعمل أولهما على تجلية جذور ومنطلقات المفهوم الأساس،  ومن ثم يعكف على محاورته وتوضيح اختلالات  مرتكزاته، فيما يشتغل ثانيهما على  إبراز مناطق الخلل في فهم بعض معارضيه ، ممن لم يستوعبوا الأبعاد الفلسفية البعيدة للمفهوم.

ونورد هنا  أنموذجاً  لأسلوبه في مقاربة بعض  هذه  التعارضات في مقاربة المفاهيم:

"فوكوياما " ونهاية التاريخ

بعد تلخيصة لفهم بعض المعارضين لأطروحة "فوكوياما " عن نهاية التاريخ، من أنها تعني :محو الماضي، وموت القيم، ونهاية حقيقة الاختلاف، ونهاية الأديان أيضاً، يقول: [ هذا كله لم يكن في خيال فوكوياما، لأن المعنى الذي قصده بمقولة "نهاية التاريخ" كان معنى فلسفياً محضاً،معنى جدليأً ، مفاده: أن الصراع التناحري بين الأضداد الكبرى قد انتهى ببلوغ الديمقراطية الليبرالية أوج انتصارها في الحرب الباردة.
ومعناه ، إن التناقض التناحري  بين الحرية والاستبداد قد انتهى لصالح الحرية. والصراع بين الديمقراطية والديكتاتورية قد انتهى لصالح الديمقراطية، وعليه فقد انتهى الصراع الذي يحرّك التاريخ، مما يعني نهايته.]

وبعد ذلك يمضي "العلي " لنقد أو نقض أطروحة "فوكوياما" لمفهوم "نهاية التاريخ " بالإشارة إلى كتاب " فوكوياما" الذي ألفه بعد انتشار مفهومه لنهاية التاريخ،  فيتوقف أمام المجتزأ التالي من كلامه : [  إن الديمقراطية الليبرالية قد تشكل نقطة النهاية في التطور الأيديولوجي للإنسانية.......،  وبالتالي فهي تمثل (نهاية التاريخ) وليس معنى ذلك القول: أن الديموقراطيات الراسخة... لا تعرف الظلم، أو المشكلات الاجتماعية الخطيرة، غير أن هذه المشكلات هي في ظني وليدة قصور في تطبيق  مبدأي  الحرية والمساواة اللذين قامت الديمقراطية الحديثة على أساسيهما].
وهنا يصل  "العلي " إلى ذروة محاورته لذلك المفهوم حيث يقول:
بهذا النص لا يفتح  "فوكوياما" الأبواب للشك في مقولته وحسب، بل إنه يشهر الخنجر لقتلها!!

أليست المساواة والتفرقة تناقضين  تناحريين حتى ينتهي الصراع ،فينتهي التاريخ؟!
إن المساواة أو ما يعبر عنه بالعدالة الاجتماعية حلم أيديولوجي إنساني عام،ولا يمكن أن ينتهي صراع المتناقضات بدون حله!! ( محمد العلي شاعرا ومفكرا ً- ص 312)



ثقافية جريدة الجزيرة 1/4/2010م







الكاتب: هيئة التحرير
المشرف العام

التسجيل : الأربعاء 10-05-2006
المشاركات : 14836
مراسلة الموقع الشخصي
حرر في الخميس 08-04-2010 06:57 مساء - الزوار : 662 - ردود : 19
أمام مرآة " محمد العلي "

الحلقة السابعة

علي الدميني

"التراث " .. قراءة نقدية  أم قطيعة ؟



لا يأتي " محمد العلي " لقراءة التراث ، كباحث مستجد أو طارئ عليه، وإنما يأتي إليه كمن يعرف منزله ، حجرة ً حجرة ً، فهو الذي قد ألفه منذ الطفولة، وتدرج في حواضنه الدراسية ( الشريعة  ، و اللغة ، وعلم الكلام ، والنقد والشعر ، كجزء من عدة تصنيع "سماحة الشيخ " ) . لقد عاش التراث حتى الثمالة، ثم  أعاد قراءته برؤية تحليلية ونقدية معمقة، اصطفت منه ما يستحق الاستمرارية ، وتمردت على ما سواه.

ما هو مفهوم التراث ، وما هو الموقف منه ؟

محمد العلي ، وفي معظم محاضراته ، ومقالاته الطويلة والقصيرة أيضاً،  لا يضع بين أيدينا  إجابة  عارية  و محددة للإشكالية التي يعالجها، بل يشتغل وفق إستراتيجية  تأليفية  لكتاباته، تستند على "عدّة" إطلاع معرفي واسع، وتعمل على استصحاب آراء الآخرين ، إما لمساءلتها ، ونقضها، وإما لتوظيفها ، في التعبير عن أطياف ما ترنو" وجهة نظره " للإيحاء  به  .

وهذا الطريق الصعب والمتميز في بناء هرم الكتابة عند كاتبنا، هو ما يقود جانباً من قرائه  إلى متعة  حمى الأسئلة المنضوية تحت عباءة كتابته ، أو يدفع بعضهم  للمجاهرة بالقول: أترى كاتبنا يتقصّد ذلك النهج في الكتابة تحديداً، لأسباب معرفية أو فنية  ، أم أنه يتنكّبه تحت ضغط الخطوط الحمراء، الاجتماعية والسياسية؟
ربما كان السبب كامناُ في احد هذه الاحتمالات، أو فيها كلها،  أو غيرها، فنحن لا نعيش في " هايد بارك لندن" ،  ولكن ما أرجّحه بحكم المعايشة والمتابعة القريبة ، هو أن نتاجات  محمد العلي  الفكرية  والإبداعية تتميز بصياغات فنية متفردة ، لا تنشغل بمهمة إيصال الرسالة إلى قارئها بشكل مباشر وحسب، وإنما تعمل على تخليق "حالة " فنية وفكرية يتغيا منها  إصابة القارئ  بعدوى التحليل والتأمل والمساءلة، وعدوى الجمال أيضاً!

ويمكننا التعرف على جزء من إجابته  على هذا السؤال المركّب - في ما يخص الإبداع الشعري تحديداً – في قوله: " القصيدة الناجحة لا تعطيك معنى أيديولوجياً... إنها فقط توصلك إلى حالة انفعالية . ..هذه الحالة لا تدري من أين جاءت ؟ من الشكل ؟ من المضمون؟ من المعبر عنه؟ من المسكوت عنه  ...". ( محمد العلي شاعراً ومفكراً – "المثقف والأيديولوجيا "-  ص 314)،  وقد وظّف  تلك الاستراتيجية ذاتها ، وإن بشكل مختلف و في حقل مختلف وبأدوات أخرى، في مقالاته الطويلة ومحاضراته.

" العلي " وفق هذا النهج،  يختط  أسلوباً في التأليف ( رؤية وتعبيرا ً)، يلبس فيه ثياب الكاتب المحايد، والقارئ الشكّاك، والمتأمل الحواري، الذي  لا يسعى لصياغة خطاب أيديولوجي " دعوي"  مباشر يتغيا منه  التأثير على قارئه، وإنما  يعمل على اصطحاب القارئ كشريك  في عملية تأليف النص، بدءاً من التعرف على مفهوم فكرته  الجوهرية ، وسياقاتها التاريخية والمعاصرة، والتوقف أمام العديد من القراءات المختلفة والمتعارضة حولها، ثم يمضي لطرح الأسئلة مع قارئه  وعليه، لجعله شريكاً فاعلا في رحلة الكتابة والتأمل والمراجعة وصياغة مآلات الأطروحة.

ولعل قراءة سريعة في محاضرته في نادي جدة الأدبي والثقافي، في عام هـ -  1987م  المعنونة ب "مفهوم التراث "  ستكون أنموذجاً ملائماً لتوضيح ما ألمحنا إليه من عمق إطلاع محمد العلي " على التراث (العربي والإسلامي) وما كتب على ضفافه، وكذلك للتعرف على منهجه النقدي منه، وأسلوبه الفني  في توظيف آراء ومواقف مثقفين آخرين، للحوار والنقض و للتعبير عن ما يود أن نصل معاً  إليه من رأي،  دون حسم جازم  أو إلزام.

يبدأ المحاضرة بالذهاب إلى القاموس لتعريف التراث الذي سكّه "مجدي وهبة "  بالقول بأنه [ ما خلفه السلف من آثار علمية وفنية .. وما تحتويه المتاحف والمكتبات من آثار ، تعتبر جزءا ً من مكونات حضارة الإنسان ](  ص 279 – محمد العلي شاعرا ومفكرا ).
ومنذ البدء يمضي إلى زحزحة إطلاقية هذا التعريف قائلا ً : [ التعريف القاموسي هذا لا يبقى مستقرا ً هكذا حين نذهب إلى استقراء مفهوم التراث في أذهان كتابنا  ومفكرينا .. لأن المفهوم نفسه من الشمول والعمق، بحيث  يسمح لهذه الإشكالية أو تلك بمد عنقها  ( المرجع نفسه - ص 279) ].
وهنا يمد أعناق رؤيته لمحاورة عدد من المفكرين والكتاب العرب الذين قاربوا تحديد مفهوم  التراث(العربي) ، ومن أبرزهم د. زكي نجيب محمود، و " أدونيس " والجابري، وغيرهم، فيشير إلى  ما وصفه بتناقضات رأيين للدكتور زكي نجيب محمود حول التراث، فيما ذهب إليه من أن التراث " هو  ما تصنعه أنت، فالتراث كتب وفنون وغير ذلك.. لكنك ستقرؤه لتستخرج منه ما تستطيع ..دون أن يفرض نفسه  عليك " ( ص 280 –المرجع السابق)، وهنا سيقف محمد العلي متشككا  أمام  عبارة " دون أن يفرض نفسه عليك " ، لأن هذا التوصيف – في رأيه -  يجعل " التراث مستسلماً بصورة جمادية  أمامنا"!
ولكنه سيتفق مع نفس المفكر  حينما يعود للقول بأنه : "  ليس باختيارنا أن نأخذ ماضينا أو نتركه، لأن هذا الماضي إنما  هو ماضي الحاضر .."

"العلي " و "أدونيس"

ويقف " العلي "  أمام ما قاله "أدونيس" عن التراث ( في كتابه – صدمة الحداثة ) : " [في تقديري أنه لا يصح النظر إلى التراث إلا في منظور الصراعات الثقافية والاجتماعية التي شكّلت  التاريخ العربي، وفي هذا المنظور لا يصح أن نقول : أن هناك تراثاً واحداً، وإنما نتاج ثقافي معين يرتبط بنظام معين  في مرحلة تاريخية معينه"]،  ليرفع " العلي " نبرة صوته  بأن هذه النظرة " نظرة تجزيئية قاصرة، لأنها حاولت سحب مقاييس الحاضر على الماضي أولاً، ... وثانيا هي جعلت الثابت والمتحول ظاهرتين منفصلتين عن بعضهما". ( المصدر السابق – ص 299)، ويستطرد في هذا السياق للقول  " إن التراث ليس مجموعة من الربوات ينظر بعضها إلى بعض دون أن تجرؤ إحداها على التداخل مع مقابلتها، بل هو مجموعة من الموجات في كل زمان، وإن لقاءهما معا هو الذي يكوّن البنية العميقة للأمة ويلد التكوين النفسي المشترك" (  المصدر السابق –ص 300).

لذلك سيتكئ " العلي "  في تحديد رافعة  وجهة نظره في هذا المعترك على كلام حسين مروة الذي يقول " ينبغي – أول الأمر – أن نلحظ الفارق بين التراث نفسه  ومعرفة هذا التراث، .... فمعرفة التراث إضافة خارجية ترد إليه من مصادر متعددة، لهذا هي تتعدد وتختلف، وهو واحد لا يتغير " ( المصدر السابق – ص 282)، لكي يخلص كاتبنا  إلى القول إن " التراث واحد.. إنه شاخص وشبه محدد، فلماذا اختلف هؤلاء إذن، وهم ينظرون إليه ويستقون منه ؟!!"
لماذا ..
هذا  ما حاول مقاربته ، حين أوضح أن أهم أسباب الاختلاف تنبع من "غياب المناهج العلمية في قراءة التراث والموقف منه"، وأن العلوم والفنون ذات الولادة العربية، نشأت في محاضن غياب تلك المناهج العلمية ، وفي ظروف تأخر عصر التدوين والرقعة الجغرافية  الواسعة للوطن العربي  والإسلامي، التي ساعدت على بعثرة تلك المناهج،  الخ... ( و في ظني أن هذه الأسباب التي أوردها كاتبنا  ليست كافية لتبرير ذلك الاختلاف في قراءة التراث ، حيث إميل إلى أن  عوامل أخرى مثل الظروف الاقتصادية و السياسية ، والموقع الاجتماعي، و الذائقة الفردية ، وغيرها،  تتعاضد معاً لإنتاج تلك القراءات المختلفة والمتضاربة في أغلب الأحيان!)

ذلك هو الجزء الأول الذي عنيت به تلك المحاضرة " حول مفهوم التراث" ، ولكن الجزء الأهم سيتركز حول ما نقرأه فيها من تبديات عميقة  لجدل التراث والحداثة، وخاصة حول جذور مكوني  "العقل، والحرية " في التراث، وفي  مكونات الكاتب تحديدا، حين يقف أمام  النقاط المركزية التالية :

1- علم الأصول :
ويناقش فيه واحداً من أهم تلك الأصول التي قعّد لها الإمام الشافعي ، وهو " القياس "، ويقابله "العلي " بمفهوم الرأي والاجتهاد من داخل ا لتراث ، " منحازاً" في تحليله وموقفه الجدلي إليهما ضد مفهوم "القياس".

2- علم الكلام
ويوضح فيه الفرق بين علم الكلام وعلم الفلسفة ( فالأول يبحث في العقائد ويتكئ على ما يميل إليه  من مسلماتها، أما الثاني فإنه يركز على منهج الوصول إلى الحقائق ، أي البدء من الدرجة صفر ( ص 291 –شاعرا ومفكرا)، ويشرح موقف المعتزلة من مسألة "القدَر" ،  ليصل إلى مسألة جوهرية  كانت تقف خلف منهج الاعتزال ، حيث يقول :[ ويبدو أن أحمد أمين أول من نبّه إلى الجذر  الاقتصادي لنهج الاعتزال في كتابه الجليل ( ضحى الإسلام ) . ذلك لأن مسألة ( القدَر) التي كانت الجذر المحوري لعلم الكلام ، والتي كانت مسألة ذهنية محضة ، قد ارتدت ثوبها الاجتماعي الاقتصادي السياسي، على يد " معبد الجهني" في الثلث الأخير من القرن الأول الهجري . ( المصدر السابق - ص 291  )] .
ولذلك يرى أن  منهج الاعتزال قد قام  على دعامتين أساسيتين هما :
أ‌- إقامة مفهوم العدل على حرية الاختيار
ب‌- اعتبار العقل البشري مصدرا ثانيا للمعرفة.

ولنا أن نقول بأن هاتين القاعدتين( التين  حفلت  بهما أجزاء من تراثنا ) هما من المكونات الأساسية لمفهوم سيرورة الحداثة ،  التي تركز على حرية الاختيار وحرية العقيدة، واعتبار  العقل البشري ،في علاقته بالواقع المادي الملموس،  مصدرا للمعرفة .
ومثلما تصاعد السؤال الغاضب من المفكرين والجماهير ( في الغرب تحديدا ) منذ نهاية الستينات الميلادية  ضد الوعود البراقة والمخاتلة  للحداثة السياسية  التي تلفعت بها كثير من القوى السياسية الحاكمة ( النازية والفاشية والمكارثية ) ، فإن مقالات  "العلي " تتساءل أيضا ً ومن زاوية أخرى ، وعبر مقالاته في جريدة عكاظ ، بعنوان " كان يا ما كان " عن : ما  الذي يجعل بعض المشاريع المستقبلية المجددة  ينجح، و بعضها الآخر يفشل؟
و ليقف أمام السؤال الذي يخص موضوعنا ، وهو :

لماذا فشل الفكر المعتزلي؟

والمقالة الضافية  المطولة( عدة حلقات )  ، تشير إلى أن  الفكر المعتزلي فشل لأنه لم يجادل الظروف الموضوعية جدلاً صائباً.
وأنه فشل من الناحية الاجتماعية ؟
وأن ذروة فشله تمثلت في عدم تطبيقه للمفاهيم التي نادى  بها،  وهي "حرية الاختيار "، وأن المعتزلة حين وصلوا  إلى موقعهم في الحكم، عذبوا من يخالفهم في الرأي ، وأكبر مثال على ذلك ، ما تعرض له الإمام أحمد أبن حنبل من محنة مشهورة في تاريخنا.

وبعد هذه الوقفات  يمكنني القول بأن مفهوم التراث عند "العلي " ، والموقف منه يتلخص في أن التراث ، هو ما خلفه السلف من آثار اجتهادية دينية، و ثروات علمية وفكرية وفنية الخ .. ، والتراث واحد شاخص وشبه محدد، و لا يمكننا تبني  مفهوم "القطيعة " معه .. لكننا سنجتهد و نختلف حتماً  في قراءته لأسباب متشعبة.
أما الموقف منه فقد عبر عنه وفق رؤية لا تُغفل  فاعلية وحضور "التراث" في حياتنا ، ولكنها تتبنى الرؤية العقلانية والنقدية في جدلها معه  من خلال تحليل وتجلية مظاهره  و مرتكزاته الجوهرية، والوقوف الإيجابي أمام ما يحفل به من مقومات عقلانية ونقدية( فكراً وإبداعاً) والتي تم تغييبها بفعل سيطرة القوى المحافظة سياسيا وثقافياً طوال عمر تراثنا المديد، وفي ذلك يقول كاتبنا :[ التراث يفرض نفسه بصورة شعورية أو لاشعورية ، ما دامت الذهنية التي أملكها ولدت وترعرعت من خلال اللغة، ولكن هل أقف مستسلماً أمام هذا الفرض؟؟
هل أدع إيماء التاريخ يأخذ ببصري إلى حيث يريد؟
حتماً لا ، وإلا أصبحت دون إرادة يمكنها أن تختار، ولأصبحت الحركة الاجتماعية معقدة، ... لذلك كانت مقاومة الجوانب السلبية من التراث في أنفسنا ، ليست مقاومة وديعة ،بل إنها معركة شرسة ، لأن معناها تغلّب الإنسان على نفسه، و ارتفاعه على ذاته ].  (المصدر السابق ص 281)".


ثقافية جريدة الجزيرة 8/4/2010م


الكاتب: هيئة التحرير
المشرف العام

التسجيل : الأربعاء 10-05-2006
المشاركات : 14836
مراسلة الموقع الشخصي
حرر في الإثنين 19-04-2010 12:23 صباحا - الزوار : 662 - ردود : 19
أمام مرآة "محمد العلي "

علي الدميني

" الحداثة "  ومأزق التسميات (1)

الحلقة الثامنة

يحفل الجزء الثاني من الكتاب الذي أنجزته الأستاذة عزيزة فتح الله " محمد العلي – مفكراً وشاعراً" بشهادات عدد كبير من مثقفي وشعراء وكتاب المملكة، تكاد أن تتفق في غالبيتها على أن " محمد العلي" هو  أحد أبرز رموز حداثتها الفكرية والشعرية".
وهو عندي كذلك،
ولكن كيف نحلل التناقض الصوري " ما بين تأكيدنا على رمزية  "محمد العلي " كأحد رواد الحداثة في بلادنا ، وبين عدم اشتغاله  على موضوعة "الحداثة " – كمفهوم وتجليات -  بل وحتى عدم استخدامها كمصطلح  في أغلب  كتاباته ودراساته؟
مأزق التسميات ، سيكون مفتاحي لمقاربة هذه الإشكالية ، ذلك أن محمد العلي ، وبحسب المقومات التنويرية الأساسية لمفهوم الحداثة ، من حيث العقلانية ، والحرية ، والعدالة ، والمساواة، والإبداع  المختلف ، هو حداثي وتنويري حتى العظم، وقد تجلت هذه القيم جمالياً وفكرياً في شعره ودراساته، وممارسته الحياتية( كما أوضحت ذلك الحلقات السابقة )، ولكنه آثر لأسباب عديدة، التحفظ على استخدام مصطلح " الحداثة "،
لماذا ؟
لأن مصطلح "الحداثة " و قيمها ومفاهيمها، قابلة لتعدد التعاريف  و " التسميات"، حتى درجة التعارض، من حيث ، هل هي  حاجة وفعل سيرورة  تاريخية، تنزع إلى تجاوز أسر التقليد، بحثاً عن آفاق و وعود الجديد، الذي يستجيب لاشتياقات الإنسان ( فرداً أو مجتمعاً) في كافة المجالات؟ أم أنها نتاج مرحلة حضارية محددة تجلت في الحواضر الأوربية، مترافقة مع الثورة الصناعية ، وفتوحات البحث العلمي، وثورة التقنية، وحداثة الفكر وآليات ترسيخ قيم ثقافة  الديمقراطية ومستلزماتها  السياسية؟

وهل الحداثة وريثة قيم التنوير التي تركزت حول " العقلانية ، والعلم ، والمرجعية البشرية للمعرفة، وحقوق المواطنة"، أم أنها حداثة " الشكل " التي تجلت في الآداب والفنون بشكل أكثر بروزاً؟
وهل هي حداثة التطور الرأسمالي الباحث عن" الربح" فقط، أم أنها حداثة "الماركسية " التي سعت إلى تحقيق مفاعيل "العدالة الاجتماعية " ، مغفلة وجود الذات الفردية؟
وهل هي قطيعة مع "التراث " أم أنها رؤية نقدية له، وحوارية مع يتضمنه من بذور "حداثية "؟

تشابك الأسئلة:

هذه أسئلة متشابكة الحقول، ولا يمكن الإحاطة بمقاربتها في وقفة قصيرة كهذه، ولكنني سوف أتوقف أمام المحطات التالية  المرتبطة باشتغالات محمد العلي:
* - كثير من الباحثين العرب ، ذهبوا لقراءة التراث العربي، وفق مسارات واستهدافات متعددة: منها  البحث عن مرتكزات العقلانية في التراث، ومنابع تجليات الحداثة الشعرية والنقدية، ( ضمن ظروفها الزمنية المحددة)، باعتبار "الحداثة " فعل سيرورة .
ومنها ما ينصب على ضرورة تشغيل مفاعيل الحداثة المعاصرة  على التراث بغية فتح مغاليقه على إمكانات قراءات جديدة تستجيب لتحديات و استحقاقات العصر.
ومنها بحسب د. برهان غليون "سعي الأطراف السياسية ( والفكرية )  المتنازعة على مصادر الشرعية ، إلى تأكيد اعتقادها أو نفي اعتقادات الأطراف الأخرى ، عبر التراث " ( قضايا فكرية ، الكتاب 29 –ص 121).

يقول محمد العلي في حواره مع مجلة النص الجديد : إن الحداثة ليست شيئاً سوى ( التطور ) و الارتقاء على الذات، و انتقاء الإيجابيات في التراث وتعميقها لإغناء الحاضر( العدد الأول 1993م).

أما حسين مروة في جهده الكبير في كتابه " النزعات المادية " ( الصادر  عام 1978 ) فقد عمل  على اكتشاف بذور العقلانية والمرجعية الواقعية  للمعرفة في الفلسفة العربية والإسلامية  لدى فقهاء المتكلمين ولدى الفلاسفة العرب من أمثال الكندي والفارابي، وابن خلدون وابن رشد، وغيرهم، من أجل تطوير أسئلتها في راهنية زماننا المعاش.

كما اشتغل " أدونيس  في كتابه " الثابت والمتحول –صدمة الحداثة  "، ( الصادر في 1978م أيضاً ) بتحديد  مرتكزات الثابت المحافظ في ذلك التراث، مثلما وقف على عناصر  " المتحول" النامية فيه, حيث يقول : [يمكن القول  أن التعارض في المجتمع العربي، بين القديم والمحدث، يرقى على الصعيد السياسي- الاجتماعي ، إلى القرن السابع الميلادي ...ومبدأ  "الحداثة " من هذه الناحية، هو الصراع بين النظام القائم على السلفية، والرغبة العاملة لتغيير هذا النظام. وقد تأسس هذا الصراع، في أثناء العهدين الأموي والعباسي، حيث نرى تيارين للحداثة : الأول ، سياسي – فكري ويتمثل من جهة في الحركات الثورية ضد النظام ( الخوارج، ثورة الزنج، القرامطة، ..الخ) ومن جهة ثانية ، في الاعتزال والعقلانية ..". أما التيار الثاني " ففني " ، يهدف إلى الارتباط بالحياة اليومية، كما عند أبي نواس، وإلى الخلق لا على مثال، كما عند أبي تمام. ... وهكذا تولدت الحداثة ، تاريخياً من التفاعل أو التصادم بين موقفين أو عقليتين .. ومن هنا وُصِفَ عدد من مؤسسي الحداثة الشعرية " بالخروج" ] ( صدمة الحداثة – ص 9،10، 11).

أما الدكتور محمد عابد الجابري ، أحد أبرز المشتغلين على التراث العربي، من منظور تاريخانية الحداثة ، فإنه يقول في كتابه " التراث والحداثة " ( الصادر عام 1991م) :[ ليست هناك حداثة مطلقة كلية وعالمية، وإنما هناك حداثات تختلف من وقت لآخر،  ومن مكان لآخر. وبعبارة أخرى "الحداثة " ظاهرة تاريخية ، وهي ككل الظواهر التاريخية مشروطة بظروفها ، ومحددة بحدود زمنية ترسمها الصيرورة على خط التطور ... الحداثة رسالة ونزوع من أجل التحديث، تحديث الذهنية.. تحديث المعايير العقلية والوجدانية . وعندما تكون الثقافة السائدة ثقافة تراثية ، فإن خطاب الحداثة فيها يجب أن يتجه أولاً وقبل كل شيء إلى التراث بهدف إعادة قراءته وتقديم رؤية عصرية عنه ]( ص 16-17).

الحداثة  سيرورة  أم قطيعة ؟

*-  الحداثة – بحسب هذه الآراء -  سيرورة  في التاريخ، كانت جنيناً حلمياً، يبحث عن تحقيق ذاته الشاملة، عبر طرائق وفضاءات مختلفة، ولم يستطع التعبير عنها بشكل فاعل ومستمر إلا بشكل فردي  عبر تجلياته الفكرية والفلسفية والإبداعية ،  ولم  يتحول هذا التشوف إلى حالة عامة  وفعل حضاري مختلف ومؤثر  في حياة المجتمعات،  إلا بعد قرون عديدة ، تجلت في أوروبا خلال القرون الثلاثة الماضية ، وكانت ثمرة للجهود والنضالات والتضحيات التي قدمها آباء  النهضة، والتنوير، من أمثال " روسو، وفولتير، ومونتسيكو، وغيرهم"، حيث ارتكزت على قيم العقلانية ، والعلم، والمرجعية الإنسانية للمعرفة،  والتفكير النقدي، وما تمخض عنها من عناوين أسست لحقوق المواطنة، وحقوق الإنسان، والحرية ، والعدالة، والديمقراطية، كحوامل قانونية ومؤسسية، لكل تلك العناوين، و جاءت الثورة الفرنسية، في عام 1789م، كأولى ثمارها ، حيث رفعت شعارات " الحرية والإخاء والمساواة".

* -  ونظراً للطبيعة الفردية المنتجة للإبداع، فقد، حققت الحداثة في أوروبا، في حقول الآداب والفنون  أكثر من سواها من الحقول، أوضح تجلياتها المبتكرة، وتمركزت حول "شكلانية "  الدال بذاته " الذي يفرغ المحتوى من محتواه والمضمون من مضمونه، والدلالة من مدلولها ( د. منذر عياشي – مقدمة  كتاب الحداثة 1  - ص 9 ) ، وبرزت قطيعتها مع الماضي، من خلال المدارس الفنية التشكيلية مثل " الدادية" و "السريالية"، وفي حقل الشعر في فرنسا، منذ إبداعات " بودلير " لقصيدة النثر .

* - بالرغم من مرتكزات كثيرة تضع "الماركسية " كإحدى تجليات الحداثة في أبعادها الإنسانية كالمساواة  والعدالة الاجتماعية – ضداً على الرأسمالية - وفي مقوماتها الأخرى الفكرية والفلسفية، مثل العقلانية والعلمانية، والحرية، إلا أن الأنظمة السياسية التي قامت على أسس ماركسية منذ ثورة  أكتوبر عام 1917م في روسيا، قد نظرت إلى حداثة الفنون والآداب، بشكل معاكس لمضمون الحرية الإبداعية ، وفي هذا الصدد يقول واحد من أبرز النقاد الماركسيين " لوكاتش "  بأن " الحداثة الأدبية نوع من البرجوازية الجمالية  المتأخرة النابعة من الواقعية " ( كتاب الحداثة 1– مالكوم برادي –ص 23).

* -  وفي هذا الصدد ، ومن زاوية نظر أخرى ، يشير د. منذر عياشي في مقدمته لكتاب الحداثة، في فقرة عنونها ب " الحداثة والفوضى" إلى أن " حركة الفن بكل أشكالها التعبيرية ، أرادت أن تنخلع من الماضي إذن، ولكنها أرادت ذلك لكي تكون على غير مثال..بغية تطوير الحياة والسير بها ومعها نحو عوالم كانت غير معروفة...فأحدثت ثورة في الموسيقى والرسم والشعر والرواية، ولكنها إذ خرجت من الماضي وتعرّت منه، وجدت نفسها بما أحدثته تسير نحو " لا اتجاه"  (ص 9).

* – جراء الارتكاسات الكثيرة  في أزمنة التنوير و الحداثة ، من  مسيرة الثورة الفرنسية عام 1789م، وما حدث في القرن العشرين من حربين عالميتين ، قامتا نتيجة لوصول أحزاب " شوفينية " ( باسم الحداثة السياسية) إلى سدة الحكم ، وما جرى كذلك من قمع لأدباء وفناني الحداثة في الدول الاشتراكية، فقد ذهب كثير من المفكرين والنقاد إلى مراجعة أخطاء الحداثة. 
وفي هذا السياق تبرز جهود فكرية ونقدية عديدة ، تهدم ما أسمته ب "أوهام الحداثة " ومنها  مواقف منظري مدرسة " فرانكفورت المعروفين " ، ومنظري تيار ما بعد الحداثة ومنهم فرنسوا ليوتار،  الذي يصف الحداثة - بسخرية – بأنها قد أصبحت " إحدى الحكايات الكبرى " ، أي بمعنى أنه لم يعد من مفاهيمها المؤسسة لكل ما  هو عقلاني ، وجديد ومتطور، و علمي .. أي وجود على الإطلاق .
ولكن "هابرماس " يقف منهم موقفا مغايراً، حيث يرى أن الحداثة لم تنته بعد، ولم تستنفذ إمكاناتها  بعد،  في أبعادها العقلانية والأخلاقية، ويمكن لها استئناف دورها كحركة تنوير كبرى، إذا ما تخلصت من تحالف العقلانية مع أداة القوة والعنف، التي جعلت الحداثة الغربية عقلانية " أداتية " سلطوية ،  تنهض على حساب الإنسان والمجتمع والتقدم، من أجل الربح وحساباته  المادية الواسعة (مازن لطيف علي – الحوار المتمدن – 9/1/2009م).

* – ويأتي من الطرف المغاير في حياتنا العربية ، موقف سدنة هوامش الماضي، والذين لا تعنيهم " وعود  الحداثة السياسية والاجتماعية والثقافية"، بقدر ما يعنون برفض أي  فكر معني بالسؤال النقدي، ومن ثم قذفه إلى جهنم أحكام التكفير الجاهزة، [بحيث لا يعود للحداثة معنى في لغة حققت إبداعها الأكمل الذي لا يمكن تجاوزه.. ولهذا تنتفي الحاجة إلى الفكر الآخر وإلى الابتداع الآخر معاً. وما يحتاج إليه المجتمع هو إذن ، بحسب هذه النظرة ، جعل الماضي حاضراً باستمرار]( أدونيس – الثابت والمتحول –ج1- ص 19).

**          **          **
صراع السياسي والثقافي على احتياز "الحداثة"

على ضوء المداخل والقراءات المتعددة لمصطلح " الحداثة " و مرتكزاته  المفاهيمية التي حققت وجودها بأشكال مختلفة في أوروبا خلال قرنين من الزمن ، كانت تصطخب العواصم الثقافة العربية ( القاهرة ، بيروت ، بغداد ، دمشق ) ومنذ مطلع القرن العشرين، بمواقف متباينة من الحداثة ، في كافة أبعادها السياسية والفكرية والإبداعية .

فمنذ خمسينيات القرن المنصرم،  تم اختزال البعد السياسي والفكري "للحداثة "، فيما تطرحه الأحزاب العلنية والسرية ( القومية  واليسارية و الدينية ) في الحكم الشمولي للحزب الواحد وشعاراته " الحرية ، والوحدة ، والاشتراكية " بالنسبة للطرف الأول، وما ترفع لواءه الأحزاب اليسارية من شعارات الانتصار للطبقة العاملة، وما تصفه الأحزاب الدينية ب " جاهلية القرن العشرين " وضرورة قيام دولة الخلافة الإسلامية .
وقد غاب عنها جميعاً( أحزاباً ومفكرين وأتباع ) مبدأ الإقرار بالديمقراطية والتعددية السياسية والفكرية والثقافية .

أما في ساحة الآداب والفنون في تلك العواصم، فقد انقسمت بين تيار النهج  المحافظ  وتيارات الالتزام الأدبي وفق رؤى السياسة المتحزبة، وبين تيار " الحداثة " الأدبية  غير الملتزمة بنهج أيديولوجي محدد.
وقد تشكّل وفق خارطة هذه الصراعات ، تحالف غير معلن وغير مبرمج، بين تيارات المحافظة والالتزام ، للوقوف ضد تيار المدرسة الحداثية ، التي كانت بيروت مركزاً لها، عبر مجلة " شعر" ومجلة مواقف، ومجلة حوار ، و ما يطرحه منظروها من أطروحات نقدية  وإبداع شعري، ومن أبرزهم " ادونيس " ، تمحورت حول مرتكزين أساسيين، هما :
الحداثة الإبداعية هي كتابة على غير سابق مثال.
الحداثة أفق للحرية الفردية، في انعتاقها من أثقال التراث التقليدي، والالتزام الفكري أو الاجتماعي، من أجل تحقيق " ذاتوية " الإنسان بمعزل عن إكراهات حواضنه التاريخية والمعاصرة على السواء.
( يتبع في الحلقة القادمة)


ثقافية جريدة الجزيرة 15/4/2010م



أمام مرآة "محمد العلي "

( الحلقة التاسعة )
علي الدميني

" الحداثة "  ومأزق التسميات (2)




على ضوء هذه المخاضات العريضة، التي تعرض لها مفهوم الحداثة في حواضر الثقافة العربية، سنأتي إلى موضوعنا الأساس ، لنتساءل مرة أخرى:  لماذا لم يشتغل  "محمد العلي " في كتاباته ومحاضراته على مفهوم الحداثة وتجلياتها المتعددة رغم ولعه المعرفي بمقاربة المصطلحات والمفاهيم؟


" العلي " – كما أشرنا سابقاً – مثقف  تنويري و حداثي ، في دراساته و شعره، وممارسته الحياتية، ولكنه آثر لأسباب عديدة، ومعه تيار التجديد و الحداثة الأدبية في المملكة منذ السبعينات وحتى منتصف الثمانينات ، التحفظ على استخدام مصطلح " الحداثة "، والعمل على تركيز الاهتمام على مضمون الشعار بدلاً من الاهتمام بفتنة "الشعار" ذاته!
لماذا ؟
هذه بعض الأسباب من وجهة نظر قراءتي :
• عملت مكونات البنية المحافظة  في المملكة، لعقود طويلة على نشر شباكها الفولاذية  لممانعة عمليات التطوير والتحديث في كافة المجالات، متمترسة خلف تحسسات اجتماعية مغلفة بثوب الدين والخصوصية، وقد ترافق  ذلك مع عزلة جغرافية و مؤسسساتية حالت دون تواصل ساحتنا الثقافية مع الخارج، ولذا كانت أعتى المعارك في الساحة الأدبية تنطلق من معاداتها للتجديد، ومن ضمن ذلك قصيدة التفعيلة، باعتبارها ، خروجاً على  ما استقر في ذائقتها من مواضعات جمالية قارة ترقى إلى مجال الكمال الدائم.
• جرى تركيز تيار الحداثة الأدبية  في بعض محاضنه العربية المؤثرة ( تأثراً بالتجربة الحداثية في الغرب ) ، على تسويقها  كتجربة جمالية وفكرية جديدة تعبر عن قطيعة  مع التراث العربي،  ومع مرتكزات التنوير في سياق التجربة ذاتها في أوروبا، و تبدّت كنزوع جارف لتحرير الذات من سطوة أو ضرورات الانهمام  بمشاغل الجماعة وحاجاتها. كما أن هذا التيار الحداثي لم يقدم بديله الفكري و الإبداعي  المقنع للتعبير عن تلك  الضرورات أو الحاجات، و تبدى آنذاك  وكأنه فعل ثقافي يضرب في بيداء ضباب لا أفق له.  ويوازي ذلك الجهد الإبداعي في الشعر، جهود فكرية أخرى كانت تستخدم آليات السؤال والهدم دون إيجاد البديل، ومن أبرز ممثليها، كان المفكر السعودي " عبد الهذ القصيمي ".
لذلك كان موقف التيارات الأدبية الأخرى الحديثة (ذات الجذور الواقعية ) والمهمومة بالالتزام بقضايا الوطن والأمة والإنسان، لا يطمئن كثيراً إلى  ذلك التوجه الأدبي والفكري، و شعاره "كحداثة "، ومنهم هنا "محمد العلي"!

الحداثة والقطيعة :

استثارت " القطيعة " مع التراث ومتلازماتها ، مشاعر "محمد العلي" في أبعادها المختلفة، من حيث ، أن التراث العربي مادته الخام التي يعمل عليها في جلّ كتاباته، ومن حيث أن شعارات الحداثة الأدبية في تلك المرحلة، كانت أفقاً يسعى إلى وأد "المعنى " وإنتاج نص لا يعنى إلا بذات منتجه، وإغفال موقعه ودوره في بنية "نص المجتمع " و مآلات تطوره.
لذلك كان موقف "محمد العلي " من " أدونيس " كرمز  لهذا التوجه، حاضراً في كتاباته وحواراته اليومية كما في محيطه الثقافي، وقد  أفرد له جزءاً  من محاضرته المعنونة ب " الموقف من التراث"، حيث حاور  العديد من مقولات أدونيس ، ومنها : " لا يصح النظر إلى التراث إلا في منظور الصراعات الثقافية والاجتماعية التي شكّلت التاريخ العربي  "، ليرد عليه بالقول : [ هذه الفقرة ..وصفها الأستاذ نصر حامد أبو زيد .بأنها نظرة ديناميكية للتراث ، وأنا أعتقد أنها نظرة تجزيئية قاصرة ، لأنها حاولت سحب مقاييس الحاضر على الماضي أولاً، وهو نفس موقف إسقاط الماضي على الحاضر. وثانياً ، لأنها جعلت " الثابت والمتحول " ظاهرتين منفصلتين عن بعضهما ]( محمد العلي شاعراً ومفكراً – ص 299).
    ويكمل هذا الموقف المعارض ل " أدونيس " بقوله :" إن أخطر وأهم ما في مقولات أدونيس  هو الدعوة إلى هدم التراث بصورة مطلقة ، وقد وقع في تناقضات هائلة لتبرير ذلك، لأنه دعا إلى شيء لا يمكن هدمه هكذا.. وبشكل مطلق ( المصدر السابق ).

ولعل من يقرأ محاضرة "العلي " تلك ،  بتمعن ثقافي ، سيرى أن  اشتغالات " أدونيس " الفكرية على التراث،  لا تتعارض جوهرياً مع تحليلات واستهدافات " العلي " ، لا سيما أن كليهما يحتفيان بالجزء الحي والفاعل من"التراث " وينتقدان الجزء المعيق لتطورنا، وقد تجلى ذلك في كثير من أعمال " أدونيس " من مثل ، مختاراته من الشعر العربي، وكتابه عن الحداثة الشعرية العربية، وكتابه عن " الثابت والمتحول " في أجزائه الأربعة . ولكن " العلي " هنا سيبدو وقد تمترس مع ذاته وقناعاته المتعددة ضد شعاري " القطيعة المطلقة " مع التراث، وضد "موت المعنى " الذى خطته الحداثة الشعرية في تجربة  قصيدة التفعيلة، وفي تجارب قصيدة " النثر"  القليلة في مراحلها المبكرة، ولعل ذلك أيضاً يفسّر لنا تحفظاته على تجربة شعراء قصيدة "النثر " في المملكة ، رغم أنه قد  جرّب كتابتها  منذ عام 1967م وحتى اليوم!

* وبالرغم من ذلك التحرز أو التحفظ في استخدام مصطلح "الحداثة" في كتاباته الفكرية والنقدية، إلا أنه كان يضطر تحت إلحاح الوسائط الإعلامية إلى التعبير عن وجهات نظر مقتضبة في إجاباته على تلك الأسئلة حول "الحداثة"،  ونقف هنا على بعض تلك الإجابات:
أ – يقول في رد مقتضب( يعبر عن حالة انفعالية )  على سؤال طرحه عليه محررو مجلة "النص الجديد – عام 1993م " حول مفهومه للحداثة: [ الحداثة – كما أفهمها – مصطلح عربي تليد قبل أن يكون مصطلحاً غربياً. الغرب ابتكر أسلوب حداثته وفق مقاييسه ومسار تطوره وحدودها. ولكننا نحن ورثنا مقاييسها، وأدخلنا عليها مفهوماً غريباً ، أحالها إلى شبح مخيف بالنسبة للغالبية من مثقفينا وقراءنا.
هذا المفهوم هو أن كل حداثة تبدأ من " القطيعة " مع التراث.
هذا المفهوم خاطئ ومظلّل .
إن الحداثة ليست شيئاً سوى ( التطور ) و الارتقاء على الذات، و انتقاء الإيجابيات في التراث وتعميقها لإغناء الحاضر].

ب- ولكنه  قبل ذلك ، قد توسع في تفاصيل موقفه من الحداثة عبر  حواره  مع "ثقافة اليوم " في جريدة الرياض عام1990م ، حين طرحت عليه السؤال التالي: كيف يتعامل محمد العلي كشاعر مع جدلية العلاقة بين الحداثة وبين التراث ، لاستشراف حوار فاعل ومضيء؟
وسنختصر إجابته  في النقاط التالية:
السؤال واسع وعميق وملح أيضاً.. ملحّ لأننا لم نفرغ حتى الآن من تعريف التراث ومن تعريف الحداثة.. ولم نصل .. . وعدم الوصول إلى ذلك بصورة دقيقة ، مشكلة من أهم المشاكل التي يواجهها النقاد والمبدعون، وحتى الأشخاص العاديون على مستوى التلقي..
لم نصل إلى ذلك التعريف المحدد، وهذا بقدر ما هو إيجابي هو سلبي أيضاً..فإيجابيته تكمن في أن الوصول إلى تعريف محدد ..هو تجميد أو تعقيد لهذا التراث ، ولهذه الحداثة...و باعتبار أن الحياة متجددة، ولا بد أن يكون التعامل متجدداً معها، وبالتالي فالتعريف لا يمكن أن يكون ثابتاً..
..أما جانبها السلبي فيكمن في أن عدم الوصول إلى التعريف يخلق " هذه الاختلافات التي نراها في الساحة الأدبية والفكرية لدينا، والتي تصل في بعض الأحيان إلى حد التناحر الفكري.."
التراث يمثلنا وجدانياً، ولكننا نختلف في قراءته.. إذن هو متعدد (يعني  القراءات)، وما لم نؤمن بهذه المقولة فلن نصل إلى تحديد مقنع أو مفيد للتراث..
وماذا عن الحداثة  الشعرية؟
الحداثة ليست واحدة على الإطلاق، فحداثة السياب غير حداثة محمد الثبيتي ، وحداثة الثبيتي غير حداثة غازي القصيبي، وحداثة غازي القصيبي تختلف عن حداثة علي الدميني .
أيضاً حداثة عبد الله الغذامي غير حداثة السريحي، في حين أن القارئ يعتقد أنهما من فصيلة واحدة، وحداثة سعد البازعي تختلف اختلافاً جذرياً عن أيٍ ممن في الجامعة من زملائه..
هناك سياق يظلل كل هؤلاء ويندرجون تحته مع غيرهم.. ولكن لكلٍ خصوصيته  ولكلٍ رؤيته .. هو بالذات.
الذي لا يملك رؤية لا يملك حداثة.. ونحن إذا جردنا الإنسان من الحداثة ، جردناه من الرؤية ومن الخصوصية...
إذن هؤلاء ، كل منهم يملك خصوصيته وحداثته أيضاً..  فالحداثة ليس لها تعريف محدد ولكنها سياق..معنى هذا السياق أو جوهره: التجاوب مع إيقاع الحياة والتجدد مع إيقاع التجاوز إلى الأفضل.. وهذا السياق الذي هو سياق الحداثة تندرج فيه آلاف الخصوصيات التي يحملها كل فرد من شعرائنا وأدبائنا ..

ج – أما موقفه الأكثر وضوحاً حيال الحداثة الأدبية والثقافية في المملكة، فقد عبر عنه، في حواره مع محطة "( LBC)، حين أشار إلى أن الحداثيين قد بقوا في الساحة الثقافية ، رغم ما تعرضوا له واحتملوه من محاولات الإقصاء والتشويه والتكفير، مستخدماً ضمير "نا " الجماعة التي تجعل منه عضواً منضوياً تحت شعار الحداثة في المملكة  بقوله :" لقد بقينا نحن ..أما عوض القرني ، صاحب كتاب " الحداثة في ميزان الإسلام " فقد مات !"


لكل ذلك ..
ووفق هذه الرؤية الجدلية والتعددية لمفهوم " ا لحداثة" ، يتجاوز "محمد العلي " موقعه المغالي في نقد "الحداثة الأدبية " ( التي كان يرى أنها  مضت إلى القطيعة مع التراث، و قتل المعنى في النص والتاريخ) ، مثلما يتخطى تحفظاته الاحترازية في التعبير عن انتمائه المحدد إليها.

كيف حدث هذا ؟
عوامل كثيرة تضافرت لتغيير موقفه، و منها:
منذ سنوات أواخر القرن الماضي( القرن العشرين ) وحتى اليوم ،  شهدت حواضن الثقافة العربية، وبلادنا أيضاً،  تحولات تدريجية ونوعية ، أخرجت الحداثة في أبعادها السياسية من احتكار " الأيديولوجي الحزبي أو الحكومي" لها ، لتغدو إمكانية - وإن كانت هامشية – لمشاركة  مختلف مكونات المجتمع المدني في التعبير عن رؤاها ومطالبها  بالإصلاحات  الديمقراطية والاجتماعية والثقافية،  وغدت معها حرية التعبير  والتفكير والإبداع، جذراً أساسياً لتحقيق استقلالية "الفرد" كأساس ضروري لعملية التطوير والإصلاح السياسي الشامل..

وهنا  يمكننا أن نراقب – في ساحتنا المحلية -  كيف أصبحت مفردة " الحداثة " جزءاً من نسيج قاموس المصطلحات المتداولة  - محلياً – جراء ما نشب حولها  من صراعات، خلقت واقعاً  اضطر لاستخدامها "للتوصيف أو التصنيف "، بغض النظر عن الموقف منها!
كما يمكننا أن نلحظ كيف خرجت أزمة التسميات بالنسبة لمصطلح  الحداثة من مأزقها كدلالة على الإبداع الأدبي والفني وحسب، إلى مجال اشتغالها العام في مختلف الميادين، وأمكن بعد ذلك أن تطرح كشعار أو دلالة على حزمة من العناوين الدالة عليها كإطار لحركة تنوير وتحديث وحداثة  شاملة في كافة أبعادها، السياسية والفكرية، والاقتصادية  والاجتماعية والإبداعية.
وفي هذا الأفق المتغير،  تمت  زحزحة " التسمية " محلياً  من مرجعية المصطلح في دلالاته وأزمنته المتعددة، إلى أن تكون "علامة " منفتحة  تضم تحت شعار " الحداثة " أشواق الأفراد والمجتمعات للتجاوب مع إيقاع الحياة والتجدد مع ضرورات التجاوز نحو الأفضل ، بحسب  توصيف "محمد العلي " السابق لها.

ولذلك نتمنى  أن نقرأ له  دراسة معمقة لرؤيته لمصطلح  " الحداثة " ومفاهيمها،  عبر مسيرته الطويلة  وإطلالاته اليوم  على مآلاتها، من أجل أن  تغتني ملامح مشروعه الثقافي  في وجدان القراء وذاكرة الحياة الفكرية والإبداعية  في بلادنا .





الكاتب: هيئة التحرير
المشرف العام

التسجيل : الأربعاء 10-05-2006
المشاركات : 14836
مراسلة الموقع الشخصي
حرر في الخميس 29-04-2010 09:47 مساء - الزوار : 662 - ردود : 19

أمام مرآة "محمد العلي "

علي الدميني



الحداثة الشعرية في قصائد محمد العلي (1/3)


مفتتح:

[كل تعبير فني ، هو في حقيقته وبشكل عام ، تعبير منزاح، مفارق لعالم الواقع المادي، ولكنه ، في هذا الانزياح يمارس فعل الإحالة على هذا العالم بوسائله الفنية الخاصة ، ...لنراه من جديد، أو لنراه في اختلافه.] د.يمنى  العيد - القول الشعري ص 43.

كثيرة هي الانزياحات في مسيرة محمد العلي، الحياتية والفكرية والإبداعية، فعلى صعيد المكان ، كان فعل الانزياح بارزاً في الانتقال في المكان (الإحساء ، النجف، الدمام، بيروت)، وعلى الصعيد الفكري نرى انزياحا من التقليدية السلفية الشيعية إلى الحداثة الفكرية المعاصرة، مثلما نقرأه في انزياحه الشعري من المدرسة الكلاسيكية إلى فضاء شعرية الحداثة.
وهذه التنقلات لا يمكن أن تأتي نتيجة طفرة لحظية ، بدلالة استمراريتها عبر الزمان والمكان، ولكنها تأتي ، بكل تأكيد، نتاجاً لبنية نفسية وتكوينية ثقافية وفنية، قلقة وخلاقة ، وعبر رؤية عقلانية نقدية مدججة بأسئلتها المعرفية العميقة عبر مسيرة محمد العلي.

شاعرنا يتميز - إلى جانب عدد من شعراء العربية المعاصرين – بكونه أكثر اشتغالاً على عدد من الحقول الكتابية المترابطة، في مجال الفكر والنقد الأدبي والإبداعي  ، وتنقلاً بين  الأمكنة ، وانزياحا من مسلمات فكرية وفنية إلى غيرها ، عبر رحلة خصبة وقاسية امتدت خلال أكثر من نصف قرن ، بما يهيئ لقصيدته موقعها البارز في مصاف شعرية التجربة الحداثية ، الغنية برؤاها وخبرتها التجريبية المنحازة للجديد و المتجاوزة لنمطية  التقليد والسائد معاً.

وبالرغم من أن هذه الانشغالات المتنوعة قد أغنت تجربته الشعرية بالوعي والرؤية العميقة والرهافة اللافتة في مكونات بنية نصه الذي يتسم بفرادة الرؤيا والتعبير ، إلا أن تلك الاهتمامات المختلفة قد حدّت من إمكانية مراكمة تجربة شعرية مؤثرة في ساحتنا المحلية والعربية، نظراً لعدم عنايته بمواصلتها أو الاهتمام بنشرها في مجموعات شعرية. 

ويعزو شاعرنا ذلك إلى أمرين :أولهما ، أنه لم  "يجيّل " نفسه، بحيث يغدو مهموماً بحضوره  في المشهد الشعري، وثانيهما يرده إلى كونه شاعراً انفعالياً ، وما لم تكن تجربة القصيدة بركاناً يهز أعماقه، فإنه لا يذهب إلى كتابتها حتى لا تصبح مجرد حالة وصفية باردة، أو تأملاً محايداً دون بوصلة .

كسر الغنائية في نصه الشعري

قد يذهب النقد الحداثي إلى توصيفه بالشاعر الغنائي، نظراً لحضور ذات الشاعر في كليّة النص، باعتبارها بؤرة ومنبع انعكاس التجربة والواقع على تفاعلها الداخلي، كذات رومانسية ، تنشد الحرية الفردية، وتتمرد على جميع الأنظمة والقوانين الاجتماعية، و تتولّع  بالتغرّب والتغريب، والفرار إلى عوالم جديدة متخيلة، متدثرة بالكآبة والحزن.

وقارئ قصائد " العلي " سيقف حتماً أمام روحه المتشبثة بالحرية، وإعلاء قيمة الفرد، وإبداع صور شعرية متفردة، وسيرى غابة  من الحزن  الشفيف تطبع الكثير من نتاجه، ولكن هذه المكونات تنحلّ في بنية نصيّة كبرى، تخرج القصيدة من غنائيتها التقليدية أو نزوعها الرومانسي، إلى أفق مغاير ينبني على  [ امتزاج الخاص بالعام، والذاتي بالموضوعي، والفردي بالاجتماعي، والداخل بالخارج] ( صالح الصالح - جدل الفكر المعاصر في المملكة العربية السعودية)، حيث يكون حزن الشاعر محملاً بالأشواق الدفينة والمؤرقة للجماعة الرانية للأفق الأجمل، وليس إلى الجماعة المكتفية بعطالتها، أو المكرّسة لسلطة قهرها وتخلفها.
وفي ذات السياق يمكن لنا أيضاً أن نقف أمام بروز غنائية الشاعر في موسيقاه ، التي تحفل بإيقاع عالي النبرة، يثير في القارئ أو المتلقي رهبة في السماع، متصادياً مع ما يتسرّب في الشعر العربي من بنى شفوية الشعر وخطابيته القديمة، ولكن شاعرنا يكسر النبرة العالية الملازمة لخطابيتها، بإنتاج نص تنمو جمله الشعرية وفق مسار التوالي لا التجاور، والتنامي لا التشتيت، و بمقدرة لافتة على الاحتفاظ  بحرارة تعبيره الوجداني، وتكثيف صوره الشعرية المفارقة للعادي والمألوف والتقريري والمباشر، وباغتناء حقولها الدلالية بوعي معرفي شديد الخصوبة، مستنداً في كل ذلك الصنيع على حساسية فنية ولغوية عالية الرهافة والإتقان نلمسها في كل جملة شعرية، بما يرتقي  بتلك النبرة الخطابية والموسيقية العالية لكي تصبح أداة تأثير جمالي وتحريضي للقارئ ليمضي مع شاعرها في معايشة المتعة والكشف عن فضاءات التأمل والتأويل والتساؤل والحوارية داخل البنية الإيقاعية الشمولية للقصيدة.

محمد العلي ابنٌ للتراث العربي، وليس حفيداً له، أو باحثاً طارئاً على موائده، ويمكننا أن ننزع عنه كل الأساطير إلا ذلك التراث الذي نهل منه، وما زال يتبدى في جدل التراث والحداثة في كل كتاباته، وأنى لنا ذلك،  فتلك بئره الأولى ، بيد أنه دائما ً ما يكون نصاً خارج سلطة النص في شعره ودراساته ومواقفه، بما فيها " أبوة"  النص التراثي ذاته.

**    **    **

" محمد الهجري "

من مظان شتاتها، في الصحف والمجلات، ومن أدراج النسيان أو الإهمال، ومن كتاب الدكتور شاكر النابلسي "نبت الصمت " الذي ضم جزءاً مهما منها ،  ومن  كتاب الأستاذة عزيزة جاد الله " محمد العلي ..شاعراً ومفكراً" والذي حوى معظم ذلك الشتات..
من كل ذلك المتن المتناثر عنوةً أو إهمالاً، ومما أنتجه الشاعر بعده، قدّم لنا الأستاذان " محمد الشقاق، وحمزة الشقاق " المجموعات الشعرية الكاملة الأولى للأستاذ محمد العلي، في مجلد بعنوان " لا ماء في الماء "، والتي صدرت عن نادي المنطقة الشرقية الأدبي في عام 2009م.

بدأ  شاعرنا كتابة قصائده في العراق حيث عُرف باسم " محمد الهجري " ، نسبة إلى هجر، الإحساء.
  والهجرة، كما تعني مغادرة المكان إلى سواه ، فإنها تعني أيضا  البيوت القليلة التي يقيمها ساكنوها كخيام من شعر الماعز أو الإبل لتسهيل عملية التنقل، فهل كان منذورا محمد العلي  للترحال  والهجرة منذ البدء؟
أميل إلى ذلك، وسأسمي مراحل تنقله وإبداعه بالهجرات الثلاث، ويمكن تقسيمها ، حسب تواريخ إنتاج أشعاره، إلى: قصائد الهجرة الأولى من الإحساء  إلى النجف في عام 1946م، وقصائد الهجرة الثانية من النجف إلى الدمام في عام 1964م، وقصائد المرحلة أو الهجرة الثالثة (رحلة الشتاء والصيف ) ما بين الدمام وبيروت منذ عام 1988م وحتى اليوم.

قصائد الهجرة الأولى :

  أنشأ أولى قصائده في النجف عام 1950م حين كان عمره ثمانية عشر عاماً، بمناسبة  افتراق صديق دخل عش الزوجية فنسي أصحابه العزاب، فقال:
" أترى سلى سلمى وخالف معهدا
صبٌ أتاح له الظباء يد الردى؟" ( صالح الصالح – جدل الفكر المعاصر في المملكة)
وبدلاً من تهنئة الصديق بزفافه إلى الجنة الأرضية الموعودة، يصف الشاعر ذلك الزواج بأنه رمح يردي صاحبه!
وهنا سنلمح إحدى سمات شعرية العلي ، وهي المفارقة الساخرة، وقد تجلت منذ البدء في بنية قصيدته أو تجربته البكر، وما زالت واحدة من أبرز ملامحه  ( كتابة وإبداعاً وحياة) حتى اليوم.

وبعد أن تجاوز مرحلة اللثغة الأولى، سينتقل ومنذ عام 1954م إلى امتلاك مقومات الشعرية الناضجة والمبكرة، التي ستحتفظ ببعض ملامح مرجعيات الشعرية الكلاسيكية من حيث المعجم اللغوي، والتشكيل الفني، والدلالة الترميزية، و ارتباط انفعالها الشعري بمحرض المناسبة أو الحادثة  الشخصية والثقافية والسياسية والدينية، ومن أبرز قصائدها (خطيب الجراح، غارة الفجر، فرح الموت، حاشاك ).
بيد أن تلك القصائد  لا تبقى أسيرة لمناخ الكلاسيكية الشعرية  المحافظة، بل ستنزع إلى أفق الابتكار والمغايرة، منحازةً إلى تجربة  أبرز شعراء التراث العربي الذين أعتبرهم أدونيس في كتابه " الشعرية العربية " آباءً للحداثة الشعرية في تراثنا ، من أمثال مسلم بن الوليد، و"أبو تمام" ، و"أبو نواس" ، وبشار أبن برد،  والمعري، بل أنها ستذهب إلى أبعد من ذلك من حيث الرؤية و ابتكار التشكيل ، مستجيبة لثقافة عصرية ومعرفية جديدة تنبني على مكونات التساؤل والشك والنقض، فتنزاح بؤرة دلالة النص من سكونية التعبير الوصفي والمحاكاة  الوجدانية للحادثة أو المناسبة، إلى أفق حركية الرؤيا والانفعال والتطلع إلى أفق أكثر جمالاً وحريةً، معبرةً بشكل موارب عما كان يمور في أعماق الشاعر من تحولات ومراجعات وتطلعات فكرية وإنسانية جديدة!
ونشير هنا ، وباقتضاب ، إلى أبيات قليلة  تدل على ما حفلت به تلك التجربة من رؤية متخطية، فتحت تشكيلها الفني على فضاء أكثر إبداعاً ورؤية أكثر تحرراً، حيث يقول في قصيدة " غارة الفجر" التي كتبها في العيد الألفي  للفيلسوف العربي " الكندي" عام 1962م  :
ذكراك سوطٌ من الآلام يخبرنا
أن الطريق الذي اخترناه مسدودُ
فهنا نقف على  رؤية  نقدية جارحة بصياغة تقريرية ، ولكنها  تغدو محرضاً جمالياً يمنح الصورة الشعرية ابتكارها وتألقها الدلالي في البيت التالي:
وأننا قد صبغنا الليل فانتفضت
إلى نزال الضحى ألوانهُ السودُ
والأمثلة كثيرة على جدل ذلك التوهج الفني والدلالي في قصائد العلي في تلك المرحلة ، وقد تناول جوانب مهمة منها في قراءات معمقة بعض النقاد، وتم تضمينها  في كتاب الأستاذة عزيزة فتح الله ( محمد العلي – دراسات وشهادات).


ثقافيةا جريدةالجزيرة 29/4/2010م


الكاتب: هيئة التحرير
المشرف العام

التسجيل : الأربعاء 10-05-2006
المشاركات : 14836
مراسلة الموقع الشخصي
حرر في السبت 15-05-2010 03:53 صباحا - الزوار : 662 - ردود : 19
علي الدميني - الحداثة الشعرية في قصائد محمد العلي (2)
أمام مرآة "محمد العلي "

( الحلقة الحادية عشرة )

علي الدميني

الحداثة الشعرية في قصائد محمد العلي (2)



قصائد الهجرة الثانية:

تجاوز الشاعر في هذه المرحلة حالة تصادي التجربة الشعرية مع بواعث تأثير الحادثة أو المناسبة، إلى فضاء الحالة الشعرية المرتكزة على علاقة الذات بواقعها الجديد، حتى وإن تمحورت في البداية على حالة قسوة الشعور بالاغتراب في الوطن ،والالتجاء إلى وهج الحنين للأصدقاء والأمكنة القديمة، إلا أن نصه الشعري لم يتوقف عند الحالة الفردية للاغتراب وحسب، وإنما أحاله إلى  تعبيرٍ عن الحالة الفردية و الاجتماعية على السواء، وقد تمثل ذلك في عدد من قصائده ،ومنها ( خطاب إلى العام الجديد، غربة، الشعلة الباردة، إحدى اللحظات)
يقول في قصيدته " غربة":
ها هنا ، حيث لا يرى الحب
والشوق طريقاً إلى قلوب العبادِ
..........
يا حياة اركضي فقد ذبل النور
وشلّ العناد صوت الحادي
لن تنالي قبراً كبيراً يضم
الناس في غير هذه الأبعادِ .

ومن قصائده التي لم تنشر ، ( ولذلك التغييب دلالة خاصة) نص اطلعت على بيتين منه منسوباً إلى الشاعر "محمد الهجري"  في كتاب للشاعر الراحل مصطفى جمال الدين ( أحد الأصدقاء الحميمين لشاعرنا).
" يا من تغني حولهم  دجلةٌ
أغصاننا بالت عليها الكلاب
وشمسنا قد نسيت لونها
وبدرنا يحثو علينا التراب "
ولعل هذا النص وسواه، مما لم ينشر من قبل ،قد دفع الشاعر إلى العزوف عن نشر نتاجه بين دفتي كتاب، ولم يكن ذلك كسلاً ، كما يردد الشاعر تهرباً من الإجابة، وإنما لأسباب أخرى، أوجزها الأستاذ صالح الصالح  في كتابته المشار إليها آنفاً، حيث يقول:[إن المسألة لا كسل و لايحزنون، وإنما إشكالية لها أكثر من وجه، فالعلي شديد الاعتزاز بأي مرحلة من مراحل تجربته التي لا تزال مستمرة – مهما تجاوزها الزمن وتجاوزها هو الآخر – وهو شديد الاحترام للقارئ ، حادُّ الوعي برسالة الأديب..]، ولعلي أوضح ما أومأ إليه الأستاذ صالح الصالح في كلامه، بالقول بأن ضابط الرقابة الاجتماعية والثقافية لم يكن مهيئاً لنشر بعض تلك القصائد، التي تعبر عن حالاتها الشعرية ، وعياً وموقفاً مختلفاً، لذا لم يرد أن ينشر بعضها دون الآخر،  فاختار حالة العزوف عن نشرها جميعاً، فالمساواة في الظلم عدالة في بعض الأحيان!!

وخلال هذه المرحلة، وبعد أن غادر حالة الاغتراب والحنين ، يتوج الشاعر سلسلة انزياحاته الفكرية ( من السلفية إلى الرؤية النقدية ومن ثم إلى المنهج العقلاني والواقعي)، بكتابة أولى قصائده في تجربة التفعيلة، بنصه المعنون ب : "الغابة" في 15/11/1965م. ومن أهم قصائد تلك المرحلة (  العيد والخليج، دارين ، هيلا.. هيلا، كنت تقرأ شعراً، بحرنا من حجر، الذي نسي قناعه، عروق المدينة، نافورةٌ من نخيل ، آهٍ متى أتغزّل، لا ماء في الماء،  أنين متقطع ، يا سوف، يا ليلي ويا عيني)، وغيرها من عيون القصائد مثل "انتظار " التي قالها وهو مرتهن في  زنزانة انفرادية في عام 1982م، ومن أبياتها :
مترعاً كان ذاك الجدار
كنت أقرا ما خطّه السابقون على وجنتيه
وأصنع في لوعةٍ مقمرة
نوافذ من فرحٍ راكدٍ
ثم أرسم للاحقين :
مواعيد أجنحة ، ثرثرة!

وتجربة " العلي " تعد إحدى التجارب  المؤسسة للحداثة الشعرية في المملكة، بما توفرت عليه من مقومات البساطة والعمق، و الرهافة اللغوية  وأناقة بناء الصورة وتفردها، وكثافة التعبير في بناء الجملة الشعرية والنص، والمزاوجة بين معرفته الموسوعية  بالتراث الشعري والإبداع المعاصر، والانحياز إلى قيم التنوير والرؤية النقدية والعقلانية  ،و  وضوح الرؤيا وصدق الموقف:
يقول في قصيدة  "لا ماء في الماء "، مخاطباً الخليج، ومعادله الموضوعي هو "الوطن" :
ولسنا نريد اللآلئ
لسنا نريد الذي لم يزل نازحاً في امتدادك
إنا نريد الوجوه التي كان آباؤنا يبذرون على الموج
أسماءنا
أن نسير على الأرض دون انحناء !

وعبر رحلته الطويلة ما برحت  تبديات جدل التراث والحداثة وتعالقاتها النصية ماثلة في قصائده، وذلك عبر استحضار رمزية أسماء أو لفتات شعراء التراث المضيئين، أو بتضمين  بعض أبيات من أشعارهم في نصه، وذهابه أحياناً ، من أجل تعميق الحالة الغنائية لقصيدته ، بكتابة أبيات عمودية . كما تنفتح تجربته من جهة أخرى،  في شواهد عديدة على الحياة اليومية ، باستحضار ومضات الكلمات الدارجة، والأمثال ،والأغاني التراثية والمعاصرة،
مثل : وتجهش حولي الأسوار، والمذياع ، والأقفال
(صوت  السهارى يوم
مرّوا عليّه
عصرية العيد). – قصيدة العيد والخليج

وكذلك ما نراه في حواره مع امرأة عابرة ،  في قصيدة "شو  بدّ ك":
- في المدى كنت َ، لكنني لم أرك
- ولكنني قد رأيتك.
- .....
              ...
- أوه.. وهللا ..شو بدّك؟
- "بدي أتجوّز عالعيد "

  وغير ذلك من اللفتات  المحملة بسخرية المفارقة،  مثل قوله :
ها أنا أشتري بصلاً للفرح
بعد أن غرب العمر
في بصلٍ للبكاء!
    بل ويصل ذلك إلى عنونة بعض قصائده باللهجات المحكية، من مثل :  " ولدنة " و "يا صلاة النبي " ، و "هيلا ..هيلا" ، و " كاشيرة " ، و " يا ليلي ويا عيني".


ويمكن أن نلخص أبرز خصائص شعرية  "العلي " في النقاط التالية:

*- الحساسية اللغوية العالية  وتجليها في رهافة وأناقة الصورة الشعرية (في صياغة الجملة ، وفي تشكيل البنية  الكلية للنص)، بما يجعلنا نستعير قول د.يمنى العيد : "هل جاءت هذه الأناقة من الكلام أم أن الكلام أتى من هذه الأناقة؟"

*- المفارقة الحاملة لأبعاد تراجيدية السخرية، عبر توظيف الدوال المتباعدة لإنتاج دال آخر .

*- تعد قصائده من النماذج البارزة على مفهوم الانزياح التي نظّر لها نقاد الحداثة( جان كوهين –مثلا )،  والتي تقوم على فاعلية الانتقال من " مجاز" المفردة إلى مجاز القصيدة ، وتحويل كنائية الكلمات والجمل إلى فضاء استعاري كلي للنص، ينهض بمهمة التعبير المنتج لدواله الجديدة خارج  الحمولات الجاهزة أو المرجعيات  التقريرية المباشرة.

*- استثمار فاعلية التناص مع التراث ، وتوظيفه بشكل خلاّق في إثراء جماليات النص وبؤره الدلالية.

*- "العلي " شاعر تجربة غنية بمذخورها المعرفي والفني والحياتي ، فكراً وموقفاً ، ويتبدى فيها صراعه الحضاري من أجل استيلاد الجديد، ولكنه يجابه دائماً – بحسب مقولة د. يمنى العيد - " حالة موت لا يموت، و ولادة لا تلد"، لذلك فإن تجربته الشعرية تغدو أنموذجاً لتجادل المعرفي والجمالي مع الواقع من أجل إنتاج بنية نص حداثي متجاوز، يقوم على فعالية ما أسماه د. كمال أبو ديب  " الفجوة / مسافة التوتر " في جل قصائده.

*- يعمل على إخراج نصه من السمة الغنائية  إلى التأملية الدرامية ، عبر تشكيل حالة " النموذج الفني " التي لا يستخدم فيها تقنية القناع أو التوظيف الرمزي الأسطوري أو التاريخي، وإنما يقوم بإنتاج رموزه الخاصة وأساطيره الصغيرة المختلفة، وتفتيق ثنايا النص بالأسئلة والحوار.

*- يتميز بالقدرة على الإيجاز والاختزال والعمل على " إبراء الشعر من اللغو حيث يبدو كمن  يجر اللغة إلى ما هو أبعد من اللغة ، وإلى كثافة رهيفة منتقاة من تجربة إنسانية يتعذّر على أية لغة أن تعبر عن كامل أبعادها" ( صبحي حديدي- موقع www.ashiaa.net) .
لذلك نلحظ قصر نصه وكثافته  وقلة القصائد التركيبية ذات البعد الملحمي،وغالباً ما يتكون العنوان من كلمة واحدة تحمل أبعادها الإيحائية الشاسعة، مشحونة بمقدرتها على التجادل مع الجملة الأولى في النص  التي تحمل بؤرة النص وإمكانات تنميته.

*- يمتلك شاعرنا حيوية التجدد والتفاعل مع الحساسية الفنية المتغيرة، فلم  يتوقف أمام تجريب فضاء حرية التشكيل التي رآها في قصيدة التفعيلة، ولكنه مضى في غمرة نزوعه نحو آفاق حرية التعبير والإبداع  إلى تجريب كتابة  قصيدة النثر، فكانت أولى محاولاته في الدمام في عام 1967م، وليمضي لتعميقها في رحلته الثالثة إلى بيروت منذ عام 1998م.

*- ورغم كل هذه الممكنات التعبيرية المتفردة التي يمتلكها ويشتغل عليها شاعرنا لإبداع متنه الشعري، إلا أن القارئ المتفحص لقصائده سيأخذ عليه تكرار استخدام مفردات مركزية بعينها، ومسكوكات تعبيرية بذاتها، وإحالات إلى أسماء ودلالات تاريخية محددة، رغم أنه يعمل دائماً على توظيفها وترميزها بشكل مغاير في أغلب الأحيان.
كما لا يمكننا في هذا الصدد إغفال الإشارة إلى استمرار هيمنة نبرة الصواتة العالية على إبداعه من حيث  ( الموسيقى أو أدوات المخاطبة وتوجيه الرسالة)، وكأنما يبدع نصه وفي ذهنه أن المستقبـِل هو " مستمع " وليس قارئاً، ونرى ذلك في عدم اهتمامه بالصورة البصرية للنص، و متلازماتها  مثل تشكيل الكتابة و توزيع مكونات جملها الشعرية، واستخدام البياض في الصفحة ..الخ!!




ثقافية جريدةالجزيرة 6/5/2010م


الكاتب: هيئة التحرير
المشرف العام

التسجيل : الأربعاء 10-05-2006
المشاركات : 14836
مراسلة الموقع الشخصي
حرر في السبت 22-05-2010 03:23 صباحا - الزوار : 662 - ردود : 19
أمام مرآة "محمد العلي "

علي الدميني

الحداثة الشعرية في قصائد محمد العلي (3)

الحلقة الثانية عشرة


وحيث أن الدكتور شاكر النابلسي في كتابه "نبت الصمت" ، والأستاذ صالح الصالح في سلسلة مقالاته بعنوان "جدل الفكر المعاصر في المملكة"، إضافة إلى  الدكتور محمد صالح الشنطي في دراسته المعنونة ب " أفقية السرد وكنائية التمثيل وبناء النموذج "  قد تناولوا بعمق نقدي لافت معظم قصائد مرحلتي الهجرتين الأولى والثانية في تجربة محمد العلي،  فإنني سأعمل على قراءة قصائد " الهجرة الثالثة"، مكتفياً هنا بالتوقف أمام قصيدة " آه ٍ.. متى أتغزل؟" والتي تنتمي لمرحلة الهجرة الثانية.

و سأقاربها وفق المحورين التاليين :

1 - جدل العنوان والمفتتح

" الغبار على الماء "...
بهذه الجملة يفتتح النص مقوله الشعري أو خطابه ، فتأخذ موقعها كدلالة وصفية لحالة سكونية مؤبدة في الزمان والمكان. ولكن عنوان النص " آهٍ متى أتغزّل ؟" يبدأ صراعه معها، بما يمثله من دلالات الحركة و التشوف والأمل المرجأ في زمن مقبل يحلم فيه الظامئ بارتشاف قطرات الماء الصافية بعد إزاحة أو إزالة الغبار عنها، لكي يصل إلى ضفة الحلم والانتشاء بلذة الانتصار.
وبقدر ما يستمر التوتر قائماً بين قطبي: " العنوان" و "جملة المفتتح"، رؤية وتعبيراً، في كل أغصان القصيدة، إلا أنه سيتمحور في صراع داخلي بين مكونات الجملة الافتتاحية ذاتها ، أي  بين " الغبار و " الماء "، لا بصفتهما المادية ، وإنما كحقلين دلاليين يبثان تناقضهما وتوتر علاقاتهما  عبر النص ، وخاصة في  المقطعين الأولين منه.
ف " الغبار " سينزع إلى تكثيف فاعلية تجلياته السلبية بأشكال متعددة داخل بنية النص، مراوحاً في تنقّله بين الأزمنة ، من حاضر الشاعر إلى تجربته الثقافية المحملة بإرث الماضي، وإلى ما سيبدو فيها كأحلام مستقبلية. وستتناسل أشباه "الغبار "  في صور شعرية استعارية، مغايرة في بنيتها الفنية لجملة المفتتح الوصفية / الكنائية، عبر انزياح الجملة عن معناها المباشر إلى دلالاتها التي تتشكل من البنية الكلية للنص،  وذلك بتوظيف فاعلية المفارقة، والجمع بين الأضداد في مستواها الأول ( الشهب وزبد الكأس، والصباح وارتداده، انهمار الغصون وليس الثمار، مغادرة المحار من البحر، وإقفال البحر لأمواجه، ومغادرته الخ ..) من أجل تخليق حالة تأثير وجداني وجمالي عالي  التوتر لدى القارئ، يهيئه للتفاعل مع المستوى الدلالي الثاني ( معنى المعنى) بترقية المحسوس المادي في الصورة الشعرية إلى معادله التجريدي الواسع، ( حيث لا يبقى الكأس كأساً ماديا تخترقه الشهب ،  وإنما يصير معادلاً للواقع ،  و لا يبقى الصبح زمناً فيزيائيا يعود أدراجه إلى العتمة، وإنما يصبح موازياً لمعنى الأمل الأجمل والذي لا يأتي، الخ... ) :

"غادرة ٌ: هذه الشهب الزبدية في الكأس
          هذا الصباح الذي لم يزل في ارتداد
وتلك الغصون التي انهمرت في الرياح "،
...
...
" هذا الخليج المبرّح غادر منه المحار"
...
...
" فيروز ، قد أقفل البحر أمواجه ثم هاجر "!!


أما  "الماء " الذي افتتن به الشاعر طويلاً، كحضور أو غياب، ليشكّل منه لوحاته الشعرية، فإنه سيحتفظ بجمالية المزاوجة بين معناه المادي المفعم بالحياة  كدلالة أولى، وبين المستوى الدلالي الثاني الذي يوظفه الشاعر كعنصر تجادل  و تصارع مع تجليات "الغبار "، ليصبح "الماء "  هو " المعنى" / الحلم  الذي  أفنى الشاعر عمره متشوفاً لملامسة مثالاته، و تحقيق وجوده الأجمل، في الواقع المعاش.
فالماء( المعنى ) هو الأرض/ الوطن : " والأرض تلك البغي الجميلة ، تزداد وهجاً على البعد
تزداد"
وهو الموقف:  " لم ينضج الموت فينا ، ولكننا سوف ننضجه بالحياة"
و هو المنادى الحلمي في قوله: " يا زرقةً طفلة ً تجهل النطق "،
وهو العشق الذي لايعلّل : "  ذُل ٌ صقيلٌ هو العشق
لكننا قد عشقنا"،
وهو تلك الرقة والمهابة والسمو والحنان الذي يستعيره من صوت " فيروز"، لكي يصل الشاعر عبره إلى ذروة حالة امتلاك "المعنى" والانتشاء به ومعه.
ولعلنا حين نمعن النظر في نتاج "العلي " الشعري، سنجد أن تمثلات صراع " الغبار " وأشباهه مع "الماء "، الكنائية والاستعارية، تكاد أن تشكل "تيمة" أساسية في العديد من قصائده، بما يفتح باب التأويل واسعاً أمامنا لتأمل دلالات استخدام الشاعر "للماء" ، لا كمادة أو مفردة وإنما كأفق جمالي ودلالي أوسع لما يتغياه الشاعر في توظيفه لتلك الكلمة.
ويمكننا أن نشير في هذا الصدد إلى قصيدته " يا سوف "، التي ذيلها بهذا التاريخ:( " الدمام 1991، عند الغارات على بغداد"):

"وتجادل في الماء
هذي الرياح الغريبة تسفي عليك التتار
تعيد إليك القفار،
وأنت تجادل في الماء:
ها سوف ينبجس الصخر
سوف يعود الفرات الذي مات، سوف يغيم الغبار".

2 -  جمالية " الحالة " وبناء " أنموذجها "

في هذا النص ، كما في غيره من نصوص مرحلة الهجرة الثانية والثالثة ، لا يذهب شاعرنا إلى فضاء القصيدة التأملية، التي تنتج أنموذجها الفني ، كرمز ، أو كقناع ،أو كحالة تجريدية صرفة، وإنما يظل شاعر تجربة تمتزج فيها الذات بموضوعها، بحرارة وجدانية وجمالية عالية تعمل على زحزحة  القصيدة من غنائيها المتمحورة حول الذات إلى أفق حالة درامية متعددة الأبعاد.

و هذه القصيدة تنبني على تكوين مشكّـل من ثلاثة مقاطع، يمكن لكل ٍ منها أن يكون وحدةً أو نصاً شعرياً قصيراً مستقلاً بذاته، ولكن الشاعر يجدلها معاً في كون شعري مركّب، وحالة شعرية واحدة ، تتراسل مع بعضها عبر بؤر الحقول الدلالية المتشابكة والمترابطة  مع عنوانها ، لإبراز درامية النص.
فمنذ بداية المقطع الأول تتم موضعة صوت الشاعر الرائي في قلب الواقع ، لتعميق تجربة انفعاله به وجدله معه، فيقف في البدء شاهداً محايداً عبر الجملة الأولى " الغبار على الماء "،  )وغالباً ما  تشكّل هذه الجملة بؤرة دلالية مهيمنة على صياغة النص وأفق استقباله ، في معظم قصائد الشاعر).
ثم ما يلبث ذلك الصوت المحايد أن يلبس حالة الشاعر المنفعل بالتجربة  ليمضي في تشكيل صور الصراع بين "الغبار " و "الماء " ، وتعميق الانفعال بدلالاتهما الواسعة، سواءً ما تحفل به  راهنية الزمن الآني ( في المقطع الأول ) ، أو ما تختزنه الذاكرة من حمولات ناء بحملها التاريخ ( في المقطع الثاني) ، حيث يقوم الشاعر باستدعاء " المتنبي" – لا كأنموذج فني أو كرمز أو قناع، وإنما من أجل تعميق حالة الانفعال بالتجربة الشعرية وانفتاح دلالاتها على الزمن، من خلال  بعض المواقف التي تتقاطع مع تجربة المتنبي، بحثاً عن أمل ٍ أو معنى، أفنى كلاهما عمره في مطاردته ترحلا واغتراباً، ولم يتبق من كليهما إلا  نصٌ خلّد الشاعر وتجربته :

" قف بي مليّاً أبا الطيـْب
واقرأ عليّ الجراح التي قد تركت بها مصر،
كان الجواد هو الليل
غادر دون صهيل..
و أغمدت جرحك بالشعر
لكن ما عندنا كيف يُغمد؟


وإذا ما رأينا أن مآلات جدل قطبي الحركة والتضاد، "الغبار " والماء"،  في المقطعين الأولين لم تحسم معركة  صراعهما،  فإننا سنرى  أيضاً أنها لم تحمل الشاعر على اليأس، بل حفزته على المضي للبحث عن أفق للتحرر من أسر الوجودي المطلق، صوب النسبي الممكن، عبر إبداع  صورة مدهشة تتشكل من تشوف الشاعر إلى أن يكون  " إناءً" مائياً لصوت " فيروز":
" إناءً خذيني لصوتك ِ
ثم اكسريه علي  البحر".

و تأخذ صورة كسر الإناء على البحر جمالياتها  من إيحاءات عديدة تضافرت لتخليق حالتها الشعرية ، منها:
•   تحويل صوت "فيروز" إلى معادل للماء في حسيته و فتنته، وفي إيحائيته  ك  "معنى" متعدد الدلالات.
• حضور البعد الأسطوري الذي يحيل على سحرية "التعويذة" القادرة على فتح أبواب المغلق والمستحيل، والتي تتجلى في طقس إناء "الدوخلة " التي يكسرها أطفال الخليج  على البحر لتعميق الأمل في عودة الآباء الباحثين عن باب  الحياة في ظلمات البحر.
• المقدرة الفنية على دمج الحسي بالأسطوري وبالواقعي، لصياغة حالة وجودية تتشوف إلى نهوض الحياة من رفات الموت أو الموات الطويل، صوب حلم  الفرح المرتجى.

      فيروز: قد أقفل البحر أمواجه
ثم هاجر
أفردني ثم هاجر
لكن صوتك أجنحةٌ للذين يفيضون من كل فج
من الرمل والماء والنخل
من كل مشتجرٍ  للكآبات
من كل ما سوف أذكره حينما أتغزّل
آهٍ ..متى أتغزّل؟ "

وليقفل النص – بعد ذلك -  أبوابه، مثلما بدأ ، بأمنية حارقة ( حتى وإن انطوت على يقينٍ ما )..أمام واقع مستمر الجفاف والقسوة، لا يبقى لنا إزاءه إلا التأمل فيما يخبئه الشعر خلف أحزانه وأوجاعه من فرح فني مبهج ومحرض على الأمل الذي لا يمتلك إصابتنا بعدواه الباطنية العميقة إلا الشعراء الكبار حين يحيلونه إلى عمل فني خالد، يوازي تراجيدية ديمومة  صراع الأضداد، مثلما فعل شاعرنا في هذه القصيدة وغيرها، ومثلما فعل من قبله عمنا الضخم  "المتنبي " في " معجز أحمد"!

----------------------------------------------------------------------

آهٍ..متى أتغزّل ؟

                                          شعر : محمد العلي

الغبار على الماء
غادرةٌ هذه الشهب الزبدية في الكأس
هذا الصباح الذي لم يزل في ارتداد
و تلك الغصون التي انهمرت في الرياح
وما عثر القلب،
ما بارحته المواعيد..
و الأرض تلك البغيّ الجميلة
                    تزداد وهجاً على البُعد تزداد..
تنصبّ بين يديها الينابيع
تهجرها
ثم تبقى تلوّح
يا زمن العوسج المتبرج:
" لم ينضج الموت فينا "
و لكننا سوف ننضجه بالحياة.

هل تهجيت وجهي الذي يسكن الموج
يا زرقة ً طفلة ً تجهل النطق؟
إنا أتيناك بالنخل
بالشجر المتوهج في القلب
هيا اجتني هذه السحب
أو فاضربي نخلةً ، نخلةً.. بالحجارة

**    **  **
ذلٌ صقيلٌ هو العشق
لكننا قد عشقنا
وما عرف الساهرون الجراح التي يصنع البحر
قِف بي مليّاً أبا الطيب
و اقرأ عليَّ الجراح التي قد تركت بها مصر
كان الجوادُ هو الليل
غادر دون صهيل
و أغمدت جُرحك بالشعر
لكن ما عندنا كيف يغمد؟
ما عندنا زرقةٌ طفلةٌ تجهل النطق
إني أقبِّل عينيك
لو جئت تمنحني بعض لؤلؤك الرطب
هذا الخليج المبرح غادر منه المحار.

**    **  **

إناء ً خذيني لصوتك
ثم اكسريه على البحر
فيروز: قد أقفل الموج أفراحه ثم هاجر
أفردني ثم هاجر
لكن صوتك أجنحة للذين يفيضون من كل فج
من الرمل والماء والنخل
من كل مشتجرٍ ٍ للكآبات
من كل ما سوف أذكره حينما أتغزل
آه .. متى أتغزل؟

                                            الدمام 1970م








الصفحات : 1  [2]  ... [2]

إضافة تعليق
كاتب المشاركة :
الموضوع :
النص : *
 
TO  cool  dry 
عربي  mad  ohmy 
huh  sad  smile 
wub 

طول النص يجب ان يكون
أقل من : 30000 حرف
إختبار الطول
تبقى لك :

التبليغ بالبريد الإلكتروني نعم لا
تفعيل توقيعك الشخصي نعم   لا
Powered by: Arab Portal v2.1 , Copyright© 2007-2010