الكاتب: عمر الفوزان
عضو فعال
  
التسجيل : السبت 14-10-2006
المشاركات : 52
|
حرر في الخميس 08-07-2010 01:34 مساء - الزوار : 175
- ردود : 0
عمر الفوزان
نشأة الدولة ومراحل التغيير في النظم السياسية الحديثة
بدايةً التغير هو كون الشيء بحال لم يكن له قبل ذلك ، وهو إما دفعي بحيث يتغير الشيء في ذاته حقيقة ويسمى كوناً أو فساداً كالخبز إذا صار لحماً بعد الأكل ، وإما تدريجي بحيث يتغير في كيفيته مع بقاء صورته النوعية ويسمى الاستحالة كالتغير الحاصل للدواء في البدن والتغير إما في ذات الشيء أو في جزئه أو الخارج عنه ومن الأول تغير الليل والنهار ومن الثاني تغير العناصر بتبدل صورها ومن الثالث تغير الأفلاك بتبدل أوضاعها .
والتغيير هو انتقال الشيء من حال إلى حال أخرى وعند أرسطو هو الانتقال من الضد إلى الآخر وهو أنواع الأول هو الانتقال من اللا وجود إلى الوجود وهو التولد أو الحدوث أو الكون ، والثاني هو الانتقال من الوجود إلى اللاوجود وهو الموت أو الفناء ، والثالث هو الانتقال من الوجود إلى الوجود وهو الحركة ، والتغيير قد يتم دفعة واحدة ويسمى طفرة وقد يتم بالتدريج ويسمى تطوراً ومن هذا السياق .
لقد تغيرت النظم السياسية على مر العصور والقرون حتى ظهور وبروز الدولة الحديثة في العصر الحديث ، ومع ذلك فإن تحديد أصل الدولة يرتبط بنشأة السلطة السياسية فيها لأن هناك ارتباطاً وثيقاً بين نشأة الدولة وأساس السلطة السياسية فيها .
ولذلك نجد أن النظريات التي تعرضت لموضوع أصل نشأة الدولة في الفكر السياسي تصلح في نفس الوقت لبيان الأساس التي تستند إليها سلطتها ومن أهم هذه النظريات الثيوقراطية ، ومع ذلك فقد مرت هذه النظريات بثلاث مراحل متطورة :
المرحلة الأولى : كان الحاكم في الأصل يعد من طبيعة إلهية فهو لم يكن مختاراً من الإله بل كان هو الله نفسه وقد قامت هذه المدنيات في مصر وفارس والهند والصين .
المرحلة الثانية : مع ظهور المسيحية ولم يعد الحاكم إلهاً أو من طبيعة إلهية ولكنه يستمد سلطته من الله إذا اختاره الله وخصه بهذه السلطة .
المرحلة الثالثة : خلال العصور الوسطى وأثناء الصراع بين الكنيسة والأباطرة برزت فكرة جديدة مقتضاها أن الله لا يختار الحاكم بطريقة مباشرة وأن السلطة وإن كان مصدرها الله فإن اختيار الشخص الذي يمارسها يكون الشعب .
نستنتج من ذلك أن النظريات الثيوقراطية في مراحلها الأولى والثانية تبرر السلطان المطلق للملوك أما المرحلة الثالثة وإن كانت لا تتنافى مع النظم الديمقراطية إلا أنها تسمح بالسلطان المطلق .
لقد ازدهرت النظريات الثيوقراطية خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر ومن ثم تلاشت للأسباب التالية ظهور نظرية العقد الاجتماعي وتفوق السلطة الزمنية على السلطة الدينية وانفصال الكنسية عن الدولة .
نظرية العقد الاجتماعي : العقد هو الإيجاب والقبول مع الارتباط والعقد الاجتماعي هو نظرية في نشوء الدولة والقانون ، ترد الاجتماع إلى اتفاق بين الأفراد يدخلونه بمحض إرادتهم ويتنازلون بمقتضاه عن بعض حرياتهم ويتعهدون فيه باحترام حقوق وحريات وملكية الآخرين، وتدور نظرية العقد الاجتماعي عند روسو حول وحدة الجسم الاجتماعي وتبعية المصالح الخاصة للإرادة العامة وحول السيادة المطلقة غير المنفصلة عن الإرادة العامة ، والعقد عند روسو ليس عقداً بين أفراد (كما هو عند هوبز) ولا عقداً بين الأفراد والسلطان وإنما هو عقد يتحد بموجبه كل واحد مع الكل ، العقد معقود مع المجموعة والسلطان هو إذاً هذه الإرادة العامة التي هي إرادة الأعضاء الذين يؤلفون هذه المجموعة .
وأهم فلاسفة هذه النظريات هوبز ولوك وروسو .
نظرية هوبز : ذهب هوبز إلى القول بأن وجود الجماعة السياسية يرجع إلى العقد الذي انتقل بمقتضاه الأفراد من الحياة الفطرية التي كانوا يعيشونها إلى مجتمع منظم توجد فيه طبقة محكومة وأخرى حاكمة ويصف هوبز حالة الأفراد الفطرية بأنها تتسم بالفوضى لأن الإنسان أناني بطبعه محب لذاته لا يعمل إلا مدفوعاً بمصلحته الخاصة ولذلك عمل القوي على اغتصاب الضعيف والسيطرة عليه وفي هذا المناخ المضطرب الممتلئ بكل أسباب الفوضى والشر والصراع والأنانية اضطر الإنسان بدافع الخوف من غيره والحاجة إلى إشباع أغراضه وبغريزة حب البقاء إلى الاتفاق مع غيره من الأفراد على أن يعيشوا معاً تحت سلطة واحدة يتنازلون لها عن كل حقوقهم الطبيعية ويعهدون إليهم بأمورهم ورعاية مصالحهم عن طريق العقد .
وهكذا أبرم الأفراد عقداً انتقلوا بواسطته من حالتهم الفوضوية الأولى إلى حالة المجتمع المنظم.
وفي رأي هوبز أن الحاكم لم يكن طرفاً في العقد وإنما تم العقد بين الأفراد وحدهم وبالتالي تكون سلطة الحكم سلطة مطلقة لا حدود لها ولا يحق للأفراد أن يطالبوه أو يلزموه بأمر من الأمور وإلا اعتبروا خارجين على الميثاق ناكثين للعهد ، ومنا هنا يتضح أن السلطة الحاكمة تتمتع بسلطة مطلقة لا حدود لها ولا يحق بالتالي مخالفة هذه السلطة مهما استبدت أو تعسفت.
نظرية لوك : يتفق لوك مع هوبز في تأسيس المجتمع السياسي على وجود عقد اجتماعي انتقل به أفراد من الحياة البدائية إلى حياة الجماعة تقوم فيه سلطة حاكمة محكومة لكن لوك يختلف عن هوبز في تصوره لحالة الفطرة فهي لم تكن حالة فوضى وبؤس بل كانت حياة تجرى على أساس الحرية والمساواة في ظل القانون الطبيعي ويرى لوك أن الأفراد يختارون الحاكم عند إقامتهم للسلطة ويجعلونه طرفاً في التعاقد وإن كان هوبز يرى أن الأفراد قد تنازلوا عن جميع حقوقهم للحاكم إلا أن لوك يرى أنه توجد حقوق طبيعية للفرد سابقة على دخوله الجماعة.. هذه الحقوق لا يمكن التنازل عنها مثل حق الملكية .
ويرى لوك إذا كان الحاكم جنح للحكم المطلق يحق للأفراد فسخ العقد .
نظرية جاك جان روسو :
يرى جان جاك روسو أن الإنسان ولد حراً ومع ذلك نراه قبل القيود التي يفرضها عليه المجتمع.
لذا يجيب روسو على ذلك بأن الالتزام الاجتماعي والخضوع للسلطة لا يمكن أن يكون أساسها القوة ، فالسلطة التي تقوم على الغضب تنتهي بمجرد زوال القوة التي تستند إليها.
ويرفض الفكر الحديث نظرية العقد الاجتماعي على اساس أنها نظرية افتراضية تقدم وجهة نظر مرفوضة في أصل الاجتماع والقانون والدولة .
وهناك نظريات أخرى تتعلق بنشوء الدولة مثل نظرية التطور العائلي ونظرية القوة ونظرية التطور التاريخي أو الطبيعي وقد لا يتسع المجال للتعريف عن مضمونها .
إن مفهوم الدولة الحديثة هو نتاج أوربي نشأ مع انبثاق العصور الحديثة وبدأ يتطور هذا المفهوم مع مرور الزمن حتى انبثاق ما يسمى بالدول الديمقراطية حيث يرى المفكر العربي الدكتور تركي الحمد أن جوهر الديمقراطية هو المساواة أمام القانون والحرية في التعبير عن الذات في ظل قانون لا يتعارض مع هذه القيمة والمشاركة في القرار الذي يتعلق بالشأن العام.. بإيجاز أن جوهر الديمقراطية معرفياً هو نسبة الحقيقة والقدرة الأولية لكل فرد على الوصول إليها والمشاركة في صنعها انطلاقاً من مبدأ المساواة الأولية في نفي الوصاية على الحقيقة واحتكارها واجتماعياً جوهر الديمقراطية هو مبدأ التسامح وحرية السلوك والفكر والرأي" .
والديمقراطية كلمة يونانية الأصل ويقصد بها سلطة الشعب أو حكمه لنفسه .
والديمقراطية في صورها المعاصرة تعني بناء الحكم على الانتخاب الحر لاكتساب شرعية الحكم مع الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية حتى تكون مخاطر استعمال السلطة والاستغلال من قبل الحكام مراقبة منهجياً . فالديمقراطية إذن طريقة في الحكم تسمح للآراء بأن تعبر عن نفسها بحرية كما تسمح للفاعلين الاجتماعيين بالمشاركة في الحياة السياسية وبالتالي تقليص المسافة بين الحكام والمحكومين وتشكل الديمقراطية مطلب كل الشعوب وتتم الدعوة إليها من قبل العديد من المفكرين المعاصرين لأن دمقرطة النظام السياسي هو الخطوة الأولى في طريق تحرير الطاقات الاجتماعية .
وفي غياب الديمقراطية الحقيقية التي تسمح بتداول السلطة السياسية وتسمح بوجود منابر ثقافية فكرية حرة تعبر عن كل الاتجاهات والقوى في الواقع تتجمد حركة المجتمع ويصاب عقل الأمة بالتعفن .
إن التحول للإصلاح الديمقراطي في مجتمعاتنا العربية يواجه جبهتين جبهة الدولة المتسلطة دولة الاستبداد وجبهة التيارات ذات المنـزع الدغمائي الديني على وجه الخصوص .
إن النضال من أجل الديمقراطية أو بالأحرى الدعوة للإصلاح الديمقراطي ينطلق من النظر إليها لا من إمكانية تطبيقها في هذا المجتمع أو ذاك بل من ضرورة إرساء أسسها وإقرار آليتها والعمل بوصفها الإطار الضروري ليتمكن الأفراد من ممارسة حقوق المواطنة من جهة وتمكين الحاكمين من الشرعية الحقيقية التي تبرر حكمهم من جهة أخرى .
ويعتقد المفكر العربي محمد أركون "أنه لا يمكن أن توجد ديمقراطية حقيقية دو أن تحصل في المجتمع مناقشات مفتوحة حرة خصبة نقدية خلافية ولا يمكن لهذه المناقشات أن تحقق الغايات الإنسانية الرفيعة للديمقراطية إذا لم تدخل التساؤل الفلسفي على أحد مستوياتها ونحن نعلم إلى أي مدى يحذف الموقف الديني الدغمائي كل تساؤل فلسفي" .
ويقول أركون " لا يمكن ضمان الحقوق الروحية والأخلاقية والثقافية للشخص البشري إلا بواسطة النظام الديمقراطي ودولة القانون" .
والشيء المهم في الدعوة إلى الديمقراطية ويتوقف عليه مستقبلها في المجتمعات الإسلامية هو ما حدده المفكر العربي "برهان غليون" في ضرورة التركيز على نقطتين مهمتين :
1/ عدم استعمال الديمقراطية استعمالاً إيديولوجياً لإضفاء الشرعية على هيمنة مجموعة من الأشخاص على غالبية المجتمع لأنه لا توجد ديمقراطية حيث يوجد تحكم المال والمحسوبية وروح النفاق والعصابات والفساد .
2/ ضرورة إقناع غالبية الإسلاميين بتبني الديمقراطية لذا فالديمقراطية مرتبطة بوجود المجتمع المدني ومؤسساته .
وتهدف الديمقراطية إلى الحرية السياسية وإلى تحقيق المساواة بين الأفراد أمام القانون .
ولا تزال الديمقراطية موضع تقدير بصفتها أفضل نظام لتنظيم العلاقات بين الدولة والمجتمع ويعتبرها كثير من دارسيها ميّسرة للتعبير ولتطبيق ما يفضله الشعب وخياراته ويروج آخرون فضائلها في وضع حلول سلمية لمصالح متنافسة في رسم حدود قانونية ودستورية للسلوك الرسمي والسلوك الشعبي ، وربما ما من فضيلة أعظم من التعددية الداخلية للديمقراطية وتغيرها وهذه ميزة قيمة للديمقراطيين في كل مكان إذ أن الديمقراطية ليست متغيرة بطبيعتها فحسب وإنما تغيرها ديمقراطي بطبيعته أيضاً ، فهي الروح العامة للتعددية .
ويرى المفكر العربي الدكتور محمد عابد الجابري : "أن الحديث عن المجتمع المدني الذي يرتبط في الخطاب العربي المعاصر بـ (التحول الديمقراطي) لن يكون له أي مدلول واقعي إذا هو لم يستحضر هذه الخريطة الاجتماعية المتموجه إذا هو لم يأخذ بعين الاعتبار مدى قدرة وإمكانية هذه الخريطة على عمل العملية الديمقراطية وتفسح المجال أمام مؤسسات المجتمع المدني لتفرض هيمنتها على المؤسسات الأخرى ولعل أول ما يجب أخذه بالحسبان بداية هو أن العنصر الوحيد الذي يجمع النخب في كل قطر عربي هو أنها جميعا لا تستطيع تحمل آليات ونتائج العملية الديمقراطية إلى نهايتها" .
ويرى الدكتور الجابري: "أن الديمقراطية هي الحل لمشاكل حقوق الإنسان ولمشاكل الحريات العامة ، ولمشكلة المجتمع المدني ومشكلة الاستبداد والتعسف في السلطة ولمشكلة استغلال النفوذ ولمشكلة البطالة ولمشكلة الفقر والفساد .. الخ " .
قد نكون بحاجة إلى نهضة فكرية لانبثاق الثقافة الديمقراطية . إن الثقافة بما هي التعبير العميق عن طموحات المجتمع وتطلعاته وأساليب عيشة ووجوده لا تبرز وتكتمل من دون وجود من يتحمل مسؤولية تأصيلها وتقعيد أسسها بالتنظير والاجتهاد والسعي الدؤوب نحو الكمال .
وتكمن قيمة الفتوحات الفكرية المؤسسة للثقافة الديمقراطية في استعادة امتلاك الإنسان إرادته في تدبير شؤونه العامة بعدما غابت عنه لقرون .
إن طريق التحول والانتقال نحو أنظمة تعددية قد انفتح في البلاد العربية أو على وشك الانفتاح وهذا ما يبشر بالخير ويتمناه كل مفكر ومثقف ومواطن عربي بسيط داخل الوطن العربي .
إن تحقيق الديمقراطية بما تعنيه من إرساء حياة سياسية قائمة على التداول السلمي للسلطة والمشاركة الشعبية الإيجابية في تيسير الشؤون العمومية وبناء علاقات قائمة على المساواة في المواطنة واحترام قيم الحرية والعدالة الاجتماعية لهم مطلب لمختلف الأطياف البشرية بالوطن العربي قاطبة .
أن الديمقراطية أرقى نظام سياسي وصلت إليه الإنسانية فهي هاجس تتمناه الشعوب الواعية
فالنظام الديمقراطي يتطور سريعاً حتى لو ينحت موارده من صخر والنظام الغير ديمقراطي يتطور ببطء حتى لو يغرف موارده من بحر 0
إن عملية بناء مؤسسات الدولة الحديثة تقع على كاهل نخبها السياسية والثقافية ، فكلما كانت النخبة واعية لماهية العمل السياسي ومصالح المجتمع عمدت إلى بناء دولة حديثة يرتقي نظامها إلى مصاف الدولة المتقدمة حضارياً والمتخذة الإنسان غاية وليس وسيلة لتحقيق المصالح .
إن النظام الديمقراطي يعد من أكثر الأنظمة السياسية في العالم عدلاً وإنصافاً .
إن إعادة ثقة المواطن العربي بنفسه وتضميد جراحه يجري من خلال القيام بحملة توعية عامة يساهم بها المثقفون لتعريف المواطن العربي بحقوقه وواجباته تجاه الدولة والمجتمع .
عمر فوزان الفوزان
حائل
|